يا بني اركب معنابقلم صدى القارئ فصل 1

الجملة الغامضة

دقيقتان قراءة · 309 كلمة

قبل أن يموت أبي، قال لي جملة واحدة فقط.

كانت قصيرة وبسيطة… لكنها أثقل من أي كلمة سمعتها في حياتي:

"يا بني… اركب معنا."

ضحكت دون أن أفهم، وسألته:

"إلى أين؟"

ابتسم ابتسامة غامضة، بلا أي تفسير، ثم التفت بعيدًا ولم يجب.

ظلت تلك الجملة تلاحقني أيامًا وأسابيع طويلة، أحاول أن أفكّ رموزها، لكنها في كل مرة كانت تعود لتضربني بسؤال أكبر من قدرتي على الفهم.

كبرت، واكتشفت أن العالم ليس كما صورته لي قصص الطفولة.

في البداية ظننت أن الجملة مجرد دعوة عابرة، أو نصيحة أبوية لا أكثر، كلمات يرددها الأب لابنه دون معنى عميق.

لكن مع مرور السنوات، بدأت أدرك أن أبي كان يقصد شيئًا أعمق… شيئًا لا يتعلق بمكان، بل بطريق ومسار، طريق لا يراه إلا من قرر أن يراه.

رأيت الناس يغرقون…

لكن ليس في الماء، بل في حياتهم نفسها.

رأيت رجلًا يركض خلف المال حتى فقد كرامته.

ورأيت صديقًا يبيع صداقته من أجل مناصب ووجوه تلمع لحظة ثم تختفي للأبد.

ورأيت شابًا يسير في دروب الظلم، يظن أنه ناجٍ… حتى يسقط في لحظة لم يتوقعها.

ورأيت آخرين، قلة قليلة، يمشون بهدوء، محافظين على ضمائرهم وصدقهم وإنسانيتهم… ويبتسمون رغم الفقر والضعف.

كنت أراقبهم بصمت، وأتساءل: ما الذي يجعل بعض الناس ينجون بينما يغرق الآخرون؟

وكلما واجهت ظلمًا أو خيانة، كنت أسمع صدى صوته في داخلي:

"يا بني… اركب معنا."

تحولت تلك الكلمات إلى ظلّ يرافقني في كل خطوة.

أحيانًا كنت أظن أنني فهمتها… ثم أكتشف أنني كنت أُخدع بنفسي.

وأحيانًا أسمعها في صمت الليل، فأشعر أنها تحمل شيئًا أكبر من الفهم… شيئًا غامضًا لم يحن وقت كشفه بعد.

كبرت وأنا أحمل هذه الجملة داخلي، كسرّ لا يعرفه أحد.

كل موقف، وكل إنسان أراه، وكل ظلم وكل صدق… يجعلني أشعر أن للكلمات معنى، لكنه لم يتكشف بعد.

وحتى ذلك اليوم، سأظل أعيش حياتي مراقبًا ومتأملًا، أتعلم من كل من حولي…

وأسمع دائمًا صدى صوته في داخلي، بلا تفسير، بلا وضوح، بلا نهاية:

"يا بني… اركب معنا."