حين يلتفت البيت
دقيقتان قراءة · 389 كلمة
بقي مراد جالسًا أمام الطاولة للحظات طويلة بعد أن ثبتت الجملة على الشاشة، وكأنه يحاول أن يفهم ما الذي يراه دون أن يمنح نفسه أي استنتاج سريع. لم تتحرك الكلمات، لكنها أيضًا لم تبدُ مجرد نص ثابت، بل كانت أقرب إلى شيء عالق داخل المكان نفسه لا يريد أن يختفي بسهولة.
"في هذا البيت… مات الجميع."
لم يمد مراد يده نحو الحاسوب، رغم أن فضوله كان يدفعه لذلك، لكنه في المقابل كان يشعر أن أي حركة غير محسوبة قد تغيّر شيئًا لا يمكن التراجع عنه، وكأن البيت يترقب ردّ فعله قبل أن يقرر ما سيحدث لاحقًا.
أبعد مراد نظره عن الشاشة ببطء، ثم بدأ ينظر حوله في الصالة محاولًا التقاط أي اختلاف بسيط قد يفسر هذا الشعور الذي بدأ يزداد داخله دون سبب واضح.
كل شيء يبدو كما هو… لكن الإحساس مختلف.
الكرسي ما زال في مكانه، الطاولة لم تتحرك، الإضاءة ما زالت خافتة كما كانت، وحتى الهواء في الغرفة يبدو ساكنًا، لكنه في الوقت نفسه أثقل من الطبيعي بشكل غير مريح.
وقف مراد ببطء شديد.
ثم تقدم خطوة نحو منتصف الصالة، قبل أن يتوقف فجأة دون أن يعرف السبب المباشر لذلك التوقف.
لم يكن هناك شيء واضح أمامه، لكن الإحساس كان كافيًا ليجبره على التوقف، كأن هناك خللًا صغيرًا في المكان لا يمكن رؤيته بسهولة، لكنه يُحَسّ بشكل غريب.
نظر حوله ببطء أكبر.
الزاوية بين الجدار والأرضية لم تعد تبدو كما كانت عند دخوله، أو ربما الضوء هو الذي تغيّر، أو أن إدراكه للمكان بدأ يتشوش قليلًا.
وربما المشكلة ليست في المكان أصلًا.
بل فيه هو.
ثم حدث الصوت.
ليس خطوة، ولا حركة واضحة، بل احتكاك خفيف جدًا، بالكاد يمكن تمييزه، لكنه جاء من داخل الجدار نفسه.
تجمد مراد في مكانه فورًا.
ثبت نظره على الجدار.
لا شيء ظاهر.
لكن الصوت عاد مرة ثانية، هذه المرة أوضح قليلًا، وكأنه أقرب، كأن الجدار لا يصدر صوتًا من الخارج بل من داخله.
تراجع مراد خطوة دون وعي، وعيناه لم تفارقا الجدران للحظة واحدة.
عاد ينظر نحو الطاولة بسرعة.
الحاسوب ما زال مضيئًا، لكن الجملة على الشاشة بدأت تتلاشى ببطء شديد، ليس كاختفاء مفاجئ، بل كأنها تُمحى حرفًا بعد حرف، وكأن شيئًا غير مرئي يسحبها بهدوء.
حتى اختفت تقريبًا بالكامل.
ثم ظهر سطر واحد جديد في المنتصف:
"لماذا جئت؟"
توقف مراد في مكانه.
لم يكن متأكدًا إن كانت هذه الجملة جديدة فعلًا، أم أنه لم ينتبه لوجودها منذ البداية بسبب توتره.
وفي تلك اللحظة، انطفأ الضوء في جزء من الصالة فقط، وكأن زاوية محددة من المكان فقدت وضوحها دون باقي البيت.
والأغرب من ذلك…
أن مراد لم يعد متأكدًا إن كان يقف في نفس النقطة التي كان فيها قبل لحظات.