البدايه
5 دقائق قراءة · 801 كلمة
يظهر جعفر وهو يطبق بكلتا يديه على ياقة قميص إبراهيم، ويدفعه بقوة تجاه الحائط بصوتٍ مسموع، ملامح جعفر محتقنة بالغضب وعروق رقبته بارزة).
جعفر (بصوت منخفض حاد): "اسمعني جيداً يا إبراهيم.. هذه المرة الأخيرة التي تضع فيها أنفك في أوراق لا تخصك. ما حدث في قضية الأمس تنساه تماماً، وإلا أقسم أنك لن ترى باب هذه المحكمة مجدداً!"
إبراهيم (رغم حصاره، يثبت نظره في عين جعفر بتحدٍ): "الأوراق تخص العدالة التي أقسمنا عليها جميعاً يا جعفر. السكوت عن تزوير الحقائق وقبول الرشوة لنصرة مجرم على حساب الضحية أمر غير مقبول.. لا في القانون، ولا في شريعة البشر!"
(تشتعل شرارة الغضب في عين جعفر، ويرفع يده اليمنى ليهوي بها بلكمة على وجه إبراهيم، لكن في اللحظة الأخيرة، تتدخل يد صلبة وتمسك بمعصمه بقوة.. إنه مصطفى).
مصطفى (بهدوء حذر وهو يفصل بينهما): "اهدأ يا جعفر.. نحن في حرم المحكمة، لا نريد فضيحة أمام الموظفين والقضاة."
جعفر (ينفض يده ويعدل هندامه بغيظ، موجهاً كلامه لإبراهيم): "احمد ربك أنك لم تبلغ مستوانا الوظيفي بعد، ولولا هذه الرتبة التي تحميني وتحمي مصطفى لكنت الآن خلف القضبان بتهمة التعدي على رؤسائك. تذكر حجمك جيداً يا إبراهيم، أنت مجرد موظف صغير هنا!"
(يخرج جعفر من الممر بخطوات ثقيلة غاضبة، ويرزع الباب خلفه بقوة هزت المكان).
مصطفى (يلتفت إلى إبراهيم بملامح يكسوها اللوم والقلق، ويهتف بصوت خافت): "أيها الأحمق! ألم أنبهك مئة مرة ألا تفتعل المشاكل معهم؟ ألا تدرك خطورة ما تفعله؟"
إبراهيم (يمسح ياقته وهو يتنفس بصعوبة): "هل تريدني أن أصمت وهم يبيعون الحق بالمال؟"
مصطفى (يقترب منه ويهمس بحدة): "بل أريدك أن تبقى حياً! هل نسيت التهديد الذي وصلك بخصوص عائلتك؟ لقد بدأوا يتحدثون عن تحركات إخوتك ومنزلك. تعطيلك لعمل المحكمة وإصرارك على قول الحق في هذا المستنقع لن يغير العالم، بل سيحطم حياتك وحياة من تحب.. لا تكن مثالياً لدرجة الانتحار يا إبراهيم."
ينفجر إبراهيم غضباً، ووجهه يميل للشحوب من شدة القهر، يلوح بيده في الهواء وكأنه يخاطب جدران المحكمة الصماء).
إبراهيم (بصوت يرتجف من القهر): "كيف لي أن أصمت يا مصطفى؟ أخبرني كيف! هل رأيت عيون المجني عليهم وهي تحدق فينا؟ يسألوننا بصمت: 'أين العدل؟'. هل أصبح من الطبيعي أن نرى طفلة لم تتجاوز الخمس سنوات تُغتصب وتُقطع أشلاءً، والجاني يقف أمامنا ببرود، ثم نوقع نحن بأيدينا على أوراق تمنحه صك البراءة؟!"
(يتقدم خطوة نحو مصطفى، وعيناه تفيضان بالدموع الغاضبة).
إبراهيم: "وتلك العائلة التي قُتل معيلها ظلماً.. وقفنا مع القاتل ضد الأرملة واليتامى! كيف تحتمل هذا؟ وجعفر.. ذلك الوغد، كيف يجرؤ على التباهي برتبته وهو يغرق في الرشوة؟ هل تدركون فعلاً خطورة ما نفعل؟ إذا كُشف أمرنا، لن ترحمنا الأرض ولا السماء!"
(فجأة، يندفع مصطفى نحو إبراهيم بسرعة خاطفة، ويمسك بياقة قميصه بقوة، ويقرب وجهه منه حتى تلاقت أنفاسهما، وعيناه تلمعان بحدة باردة ومخيفة).
مصطفى (بفحيح هادئ ومرعب): "اسمع يا إبراهيم.. اسمع جيداً وضع كلماتي هذه حلقاً في أذنيك. إذا بقيت على هذا الحال، صدقني، فإن جعفر وأتباعه لن يتهاونوا لحظة واحدة في إزهاق روحك. أنت الآن لست مجرد زميل مزعج، أنت شاهد يعرف الكثير، ومعارض يشكل خطراً على رؤوس كبيرة!"
(يشد مصطفى قبضته أكثر على الياقة، ويخفض نبرة صوته كأنها نصل سكين).
مصطفى: "نصيحتي لك: اصمت، اعمل، وكُن مطيعاً كأنك لا تسمع ولا ترى. أم أنك نسيت في غمرة مثاليتك أنك المعيل الوحيد لعائلتك؟ هل تريد حقاً أن تجلب الدمار لمنزلك؟ هل ستنفعك 'كلمة الحق' حين يجدون جثتك في زقاق مظلم وتتشرد عائلتك من بعدك؟ اختر معركتك بعقل يا إبراهيم.. أو استعد للدفن."
يسير إبراهيم في الزقاق المؤدي لمنزله، مثقلاً بهموم اليوم، حتى يستوقفه رجل عجوز بوجه بشوش، هو العم مسعود).
العم مسعود: "أهلاً أهلاً.. كيف حالك يا إبراهيم؟ طمئني عنك يا بني، وكيف هو العمل في المحكمة؟"
إبراهيم (يحاول تصنع الابتسامة): "الحمد لله يا عم مسعود، بخير ونعمة. أنت كيف حالك؟ وكيف حال ابنك سالم؟"
العم مسعود: "والله إنه منهمك تماماً في دراسته، فهي امتحانات المرحلة الأخيرة في الثانوية كما تعلم. لولا فضلك بعد الله ومساعدتك له في دروسه لما وصل لهذه المرحلة.. شكراً لك يا بني."
إبراهيم: "لا تشكرني يا عمي، سالم بمثابة أخ لي. بالتوفيق له إن شاء الله."
(يودعه مسعود بكلمات طيبة، ويكمل إبراهيم طريقه للمنزل. بمجرد أن يفتح الباب، تهب عليه رائحة البيت الدافئة).
إبراهيم: "أهلاً.. لقد عدت!"
(تقترب منه والدته بلهفة وتطبع قبلة على جبينه، فيضحك إبراهيم بخجل وهو يضع أكياساً في يده على الطاولة).
إبراهيم (ضاحكاً): "ههههه.. يا أمي، لقد كبرت، لم أعد طفلاً لتستقبليني هكذا!"
الأم (بابتسامة حنونة): "ستظل طفلاً في عيني مهما كبرت ومهما بلغت من المناصب. كيف كان يومك؟"
إبراهيم (يتجاهل غصة في حلقه وهو ينظر للأواني): "أها.. ما كل هذه الأواني؟ لابد أن هناك وليمة اليوم!"
الأم (تضحك): "هههه، أردت أن أصنع شيئاً يحبه إخوتك."
إبراهيم: "لقد جئت معي ببعض الدجاج واللحم المتبل، اجعليها ضمن المائدة."
الأم: "بارك الله فيك وفي رزقك يا ولدي، تعبت كثيراً من أجلنا."
إبراهيم (يتلفت حوله): "أين زينب؟ لم أسمع صوتها."
الأم: "لقد عادت لتوها من امتحاناتها النهائية، تعلم أنها في السادس الإعدادي والضغط عليها كبير.. هي ترتاح الآن."
إبراهيم: "أعانها الله، والمشاكس الصغير 'تيليا'؟ أين هو؟"
الأم: "مازال في مدرسته، سيعود بعد قليل ويملأ البيت ضجيجاً كالعادة."