حين خرج الرزق… وبقي الفراغ
4 دقائق قراءة · 612 كلمة
لم يكن اليوم الذي بيع فيه الدكان يومًا عاديًا، رغم أن الرزق حين خرج… بقي الفراغ، والشمس أشرقت كعادتها، والشارع امتلأ بالناس الذين مرّوا دون أن يشعروا أن شيئًا ما يُسحب من مكانه بهدوء، دون صوت، ودون قدرة على إيقافه، وكأن العالم كلّه مستمر كما هو… إلا نحن.
في ذلك الصباح، دخل أبي أبكر من المعتاد، لم يكن مستعجلًا، ولم يكن مرتبكًا، بل كان هادئًا بشكل غريب، هدوء لا يشبهه، هدوء يشبه شخصًا يعرف أن عليه أن يودّع شيئًا عزيزًا عليه، لكنه لا يريد أن يلفت انتباه أحد.
وقف أمام الرفوف طويلًا، لم يمدّ يده ليرتب شيئًا، ولم يغيّر مكان أي غرض، فقط كان ينظر، يتنقّل بعينيه بين الزوايا، وكأنه لا يرى بضائع، بل يرى سنوات كاملة مرّت من هنا، يرى وجوهًا، ضحكات، تعبًا، وأيامًا لم يعد بالإمكان استرجاعها.
اقتربتُ منه، وكنت ما زلت صغيرًا على فهم ما يحدث، صغيرًا على إدراك أن كلمة واحدة يمكن أن تغيّر شكل الحياة كلها، فنظر إليّ وقال بصوت هادئ أكثر من اللازم، كأنه يختار كلماته بحذر حتى لا تؤلم: "يا محمد… الدكان راح يصير لعمّك سعيد"، لم يقل إنه باعه، لم يقل إن الأمر انتهى، فقط قالها بطريقة خفيفة، لكن تلك الخفّة كانت أثقل مما يمكن لطفل أن يحتمله.
في تلك اللحظة، لم أفهم كل شيء، لكنني شعرت بشيء ينكسر داخلي دون تفسير، ربما لأنني كنت أظن أن العائلة مكان لا تحدث فيه الخسارات، وأن ما هو "بيننا" يبقى دائمًا آمنًا، لكنني بدأت أتعلم، ولو ببطء، أن الوجع لا يفرّق بين قريب وغريب، ولا يستأذن قبل أن يدخل.
بعد أيام، جاء عمّي سعيد، دخل الدكان بخطوات واثقة، ينظر إلى كل زاوية وكأنه يراها بعين مختلفة، عين المالك، بينما كان أبي يقف بجانبه يشرح له التفاصيل بهدوء، يشير إلى الأماكن وكأنه يسلّم شيئًا أكبر من مجرد محل، يقول له: "هاي الزاوية بتدخل شمس حلوة الصبح، هون كنا نحط الزيت، والناس دايمًا بتسأل عن القهوة من هالرف"، لم يكن الكلام مجرد شرح، كان تسليمًا لذكريات، لتعب سنين، لشيء عاش فيه أكثر مما عاش في أي مكان آخر.
وفي تلك اللحظة، رأيت في عيني أبي شيئًا لم أره من قبل، لم يكن حزنًا واضحًا، ولم تكن دموعًا، بل كان صمتًا ثقيلًا، كتمانًا عميقًا، كأن الرجل الذي اعتدت أن أراه قويًا في كل شيء، قرر أن يخفي ضعفه حتى لا ينعكس علينا، حتى لا نشعر نحن بأن الأرض بدأت تهتز تحت أقدامنا.
أما أمي، فلم تقل الكثير، لكنها تغيّرت، لم يعد حضورها كما كان، صارت تجلس أكثر، تتحرك أقل، تنظر طويلًا من الشباك نحو الشارع، وكأنها تراقب شيئًا رحل ولن يعود، وكانت تقول أحيانًا بصوت خافت: "الرزق لما يطلع من البيت… بترك فراغ"، لم أكن أفهم معنى كلامها تمامًا، لكنني كنت أشعر به في تفاصيل صغيرة بدأت تتغيّر حولي، في ضحكة أصبحت أخف، في صوت صار أهدأ، في بيت لم يعد يحمل نفس الطمأنينة التي كنت أعرفها.
ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر مجرد شعور، بدأ التعب يظهر عليها، لم يكن مرضًا مفاجئًا، بل كان حزنًا تراكم بصمت، يومًا بعد يوم، حتى أصبح شيئًا يُرى، شيئًا يسكن الجسد بعد أن كان يسكن القلب فقط.
وكنت أنا، أقف بين رجل يعطي بلا حدود ويخسر بصمت، وامرأة تذبل بهدوء وكأنها تنسحب من الحياة دون أن تشتكي، وأتعلم، دون أن أريد، درسًا قاسيًا لن أنساه: أن الطيبة الزائدة ليست دائمًا نعمة، وأن أقرب الناس يمكن أن يأخذوا منك أكثر مما تتوقع، ليس لأنهم سيئون، بل لأنك لم تعرف كيف تضع حدودًا لما تعطيه.
في ذلك اليوم، لم نخسر دكانًا فقط، بل خسرنا شيئًا من توازننا، وشيئًا من دفئنا، وشيئًا لم أستطع تسميته وقتها، لكنني شعرت بغيابه في كل زاوية من البيت.
ومن هناك بدأت الرحلة، رحلة لم أفهمها حينها، لكنني أدركت معناها لاحقًا، حين كبرت، ونظرت إلى كل ما حدث، وعرفت أن كل خطوة جاءت بعد بيع ذلك الدكان… كانت تبعدني أكثر، وببطء لا يُلاحظ، نحو حياة لم يكن لها يومًا عنوان.