رائحة القهوة القديمة
دقيقتان قراءة · 335 كلمة
لم أكن أعلم أن للأماكن روحًا…
ولا أن بعض الروائح تستطيع أن تعيش… أطول من أصحابها.
حتى اليوم،
كلما مررتُ بتلك الشوارع الضيقة،
أشعر أن الأرض هناك ما زالت تحفظ خطواتي الصغيرة…
وكأنها لم تنسَني،
حتى بعد أن نسيتُ أنا نفسي.
هناك…
عند الزاوية المائلة قليلًا…
كان دكان أبي.
لم يكن مجرد دكان،
بل كان قلب الحارة…
والقلب الوحيد الذي كان ينبض لي.
بابٌ حديدي رمادي،
مخدوش من السنين،
يحمل على سطحه آثار أيدٍ رحلت… ولم تعد.
حين كان أبي يفتحه كل صباح،
كان صوت احتكاكه بالأرض
يشبه إعلان بدء الحياة…
أو ربما…
إعلان يومٍ جديد نحاول فيه أن نعيش، لا أكثر.
"يلا يا محمد… شمّ الهوا، هذا رزق اليوم."
كان صوته دافئًا…
يشبه كوب شاي في صباح بارد.
كنت أمشي بجانبه،
ويدي تضيع داخل كفّه الكبيرة الخشنة،
وأشعر…
أنني أملك العالم كله،
طالما أن يدي لم تترك يده.
ما إن يدخل الضوء من فتحة الباب،
حتى تستيقظ الروائح…
قهوة مطحونة طازجة،
زعتر أخضر،
أكياس رز مصطفّة كجنود صامتين،
صابون بلدي،
وزيت زيتون يلمع داخل عبوات زجاجية…
كأنه يحتفظ بشيء من الشمس.
كانت تلك الرائحة…
رائحة الأمان.
كان لي كرسي صغير بجانب الميزان،
لا أفعل عليه شيئًا مهمًا…
لكنني كنت أشعر،
لأول مرة،
أن لي مكانًا في هذا العالم.
الناس تدخل وتخرج،
وأبي يعرفهم جميعًا…
ليس بأسمائهم فقط،
بل بحكاياتهم،
بوجوههم المتعبة،
وبالهمّ الذي يحاولون إخفاءه.
يسأل، يضحك، يمزح…
وأحيانًا يعطي بالدين،
دون أن يكتب شيئًا.
سألته يومًا، بفضول طفل لا يفهم الخوف:
"كيف بتتذكر مين بده يدفع؟"
نظر إليّ… وابتسم.
تلك الابتسامة التي لم أفهمها وقتها.
وقال:
"اللي بخاف الله… ما بنسى."
كنت أظن أن الدنيا بسيطة…
وأن أبي…
أقوى من كل شيء.
لم أكن أعلم…
أن الطيبة الزائدة
قد تتحول إلى جرح لا يُرى.
لم أكن أعلم…
أن الأبواب المفتوحة للجميع،
قد لا يبقى منها أحد عند الحاجة.
ولم أكن أعلم…
أن ذلك الدكان،
بكل دفئه وروائحه،
سيكون…
أول مكان أتعلم فيه معنى الفقد.
هناك…
في ذلك المكان الصغير،
بدأت حكايتي.
ومن هناك…
بدأت رحلتي.
رحلة رجل…
سيكبر يومًا،
ويكتشف متأخرًا…
أنه كان، منذ البداية،
يمشي في هذا العالم
كـ…
مسافرٍ بلا عنوان.