قطار الذنوب 666
دقيقتان قراءة · 371 كلمة
الفصل الثاني: الرصيف رقم صفر.. صمتُ العبور
وقف إدوارد على حافة الرصيف رقم صفر، ولم تكن الأرض تحت قدميه تشبه أرصفة محطات لندن المألوفة؛ كانت الحجارة تبدو وكأنها مصنوعة من رماد متصلد، تنبعث منها برودة غريبة تتسرب عبر حذائه لتجمد دمه في العروق. الضباب هنا لم يكن مجرد بخار ماء، بل كان كياناً حياً، كثيفاً لدرجة أنه كان يلتف حول جسده كأكفانٍ بيضاء تحاول سحبه إلى المجهول، وكان الصمت ثقيلاً لدرجة أن إدوارد استطاع سماع دقات قلبه المتسارعة وكأنها طبول تدق في قبوٍ مهجور. نظر حوله، فرأى ظلالاً بشرية تقف متفرقة على طول الرصيف؛ ركابٌ بملابس من عصور مختلفة، يقفون بجمود تام، رؤوسهم مطأطأة وعيونهم غارقة في محاجر مظلمة، لا يتبادلون كلمة واحدة ولا يرف لهم جفن، وكأنهم ينتظرون حكماً بالإعدام أو فرصة أخيرة للتكفير عن ذنوبٍ لا تغتفر.
فجأة، انشق الضباب بعنف ليظهر من خلفه مقدمة القطار رقم 666، ولم يكن قطاراً عادياً يعمل بالفحم أو البخار؛ كان يبدو كوحشٍ معدني ضخم، مطلي بلون أسود مطفأ يمتص الضوء ولا يعكسه، وجسده الطويل مغطىً برموز ولغات قديمة تبدو وكأنها تتحرك وتتغير تحت بصر الناظر إليها. لم يصدر عن العجلات أي صوت احتكاك مع القضبان، بل كان القطار ينزلق بهدوء مرعب فوق سحب من الدخان الكبريتي الأصفر الذي يفوح برائحة الذكريات المحترقة. توقف القطار تماماً، وانفتحت الأبواب بصريرٍ يشبه أنين الأرواح المعذبة، ليفوح من الداخل هواء بارد يحمل رائحة الورق القديم والمستشفيات، مما جعل إدوارد يتراجع خطوة للخلف قبل أن يتذكر أن تذكرته الذهبية بدأت تسخن في يده، وكأنها تأمره بالدخول.
عندما صعد إدوارد الدرجة الأولى، شعر للحظة أن الجاذبية قد اختفت، وأن العالم الذي تركه خلفه قد تلاشى تماماً؛ لم يعد هناك لندن، ولا عيادة، ولا ليل، بل مجرد هذا الممر الطويل المظلم داخل القطار. كانت المصابيح في سقف العربة تومض بضوء برتقالي شاحب، ترسم ظلالاً مشوهة على الجدران الخشبية الفاخرة التي كانت تبدو أحياناً وكأنها جلدٌ بشري مشدود، وأحياناً أخرى كمعدنٍ بارد. بحث إدوارد عن مقعده، وبينما كان يسير، لاحظ أن النوافذ لا تظهر ما في الخارج، بل تعكس صوراً مشوشة لماضيه؛ وجوهٌ نسيها، ووعودٌ أخلفها، وصورة ذلك المريض الشاب وهي تظهر وتختفي خلف زجاج النافذة ببطء. جلس إدوارد في مقصورته، ليجد أن المقعد المقابل له ليس فارغاً تماماً، بل توجد عليه حقيبة طبية قديمة تشبه حقيبته تماماً، لكنها كانت مغطاة بغبار كثيف وكأنها لم تُفتح منذ قرن من الزمان.