الرحله 666بقلم بـَحــر.† فصل 1

قطار الذنوب 666

دقيقتان قراءة · 320 كلمة

الفصل الأول: تذكرة من رماد وذهب

​في قلب لندن عام 1920، حيث كانت الشوارع تتنفس ضباباً رمادياً ثقيلاً يختلط بدخان المصانع، كان الدكتور "إدوارد" يسير كخيالٍ مكسور بين الأزقة الضيقة التي تفوح برائحة المطر والندم. لم تكن برودة الجو هي ما تجعل أطرافه ترتجف، بل كان ذلك الصمت القاتل الذي يسكن عيادته المهجورة منذ تلك الليلة المشؤومة؛ الليلة التي تعثرت فيها مباضعه، وتوقف فيها قلب مريضه الشاب تحت ضوء المصباح الخافت. كان إدوارد يعتقد أن الخطأ المهني قد دُفن مع الجثة في التراب، لكنه اكتشف أن الموتى لا يرحلون بصمت، بل يتركون خلفهم صدىً يتردد في دهاليز العقل البشري، صدىً يهمس باسمه كلما حاول إغماض عينيه.

​كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين توقف إدوارد أمام عمود إنارة قديم يرتعش ضوؤه كأنفاس منازع. مد يده بآلية إلى جيب معطفه الصوفي الثقيل بحثاً عن علبة سجائره، لكن أصابعه اصطدمت بشيء غريب، ملمسه بارد ومعدني وحوافه حادة كالحقيقة التي كان يهرب منها. سحب القطعة ببطء، لتلمع تحت الضوء الباهت تذكرة ذهبية لم يرها من قبل، محفور عليها بزخارف سريالية معقدة: "الرحلة رقم 666 - الرصيف رقم صفر - ذهاب بلا عودة". لم يتذكر متى اشتراها أو من وضعها هناك، لكنه شعر بجاذبية غامضة تسري في عروقه، كأن التذكرة هي المغناطيس وروحه هي الإبرة التي تشير إلى قدر محتوم.

​سار إدوارد نحو محطة القطار المركزية، لكن المكان بدا مختلفاً هذه المرة؛ كانت الجدران تبدو وكأنها تتنفس، والممرات تطول وتلتوي بشكل غير منطقي. وعندما وصل إلى نهاية الرصيف رقم 9، رأى فجوة في الضباب الكثيف تكشف عن سكة حديدية لم يلحظها أحد غيره. كان "الرصيف رقم صفر" يقبع هناك، مغموراً بضوء أزرق شاحب لا يلقي ظلالاً على الأرض. لم يكن هناك مسافرون يودعون أحباءهم، ولا حمالون يجرون الحقائب، بل كان هناك صمت مطبق يقطعه صوت بعيد جداً لصافرة قطار قادم من أعماق المجهول. وقف إدوارد على الحافة، يشعر بثقل "كبريت الذنوب" يحرق صدره، مدركاً أن هذه الرحلة ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي بوابة لمواجهة ما لا يجرؤ بشر على مواجهته في وضح النهار.