كان زمان
دقيقتان قراءة · 322 كلمة
كان هناك وقت بدت فيه الحياة أبسط مما هي عليه الآن.
وقتٌ كنت أرى فيه العائلة شيئًا ثابتًا لا يتغير؛ نفس الوجوه، نفس الأصوات، ونفس الضحكات التي لا تنقطع. كأن العالم كله كان دائرة صغيرة، ونحن في داخلها، لا شيء خارجها قادر على أن يمسّنا.
كنت أرى أعمامي بطريقة مختلفة تمامًا. لم أفكر في قربهم أو بعدهم، كانوا جزءًا طبيعيًا من المشهد. يأتون، يتحدثون، يضحكون، يجلسون… وكل شيء يسير وكأنه بديهي، دون تحليل أو تساؤل، مجرد حضور عادي لا يحتاج تفسيرًا.
كانت البيوت مفتوحة، والزيارات بلا موعد. قد يدخل أحدهم فجأة أو يخرج، ولا يستغرب أحد. كنا صغارًا، وربما لهذا السبب بدت لنا الأمور طبيعية… لأننا لم نكن نعرف أن هذا “الطبيعي” يمكن أن يتغيّر يومًا.
أتذكر كيف كنا نجتمع دون سبب، فقط لأننا موجودون في المكان نفسه. جلسات طويلة، كلام كثير، وضحك أكثر. وكان أبي مختلفًا آنذاك… حاضرًا، خفيف الروح، يعطي دون حساب، ويعامل الجميع كأنهم جزء من البيت، لا مجرد ضيوف.
لم يخطر ببالي يومًا أن هناك فرقًا بين الناس، أو أن القرب والبعد يمكن أن يتبدلا، أو أن شخصًا قد يكون حاضرًا اليوم ويغيب غدًا. لم تكن هذه الأفكار موجودة أصلًا. كانت الحياة تسير على فكرة واحدة بسيطة: العائلة هي العائلة… لا أكثر ولا أقل.
لكن مع الوقت، بدأت ألاحظ أشياء صغيرة لم أفهمها حينها. تغيّر خفيف في الزيارات، اختلاف في طريقة الكلام، غياب مفاجئ أحيانًا. كنت أرى، لكنني لا أواجه… ربما لأنني لم أكن أريد أن أصدق أن الصورة التي في داخلي يمكن أن تتصدّع.
اليوم، حين أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، تبدو أقرب إلى حلم. ليس لأنها لم تحدث، بل لأنها كانت أبسط من الحقيقة التي عرفتها لاحقًا… الحقيقة التي جعلتني أرى الأشخاص أنفسهم بوجه مختلف تمامًا.
لم يتغير الناس فجأة…
لكن الحياة هي التي كشفتهم، شيئًا فشيئًا—
وأنا فقط بدأت أرى.
كان زمان…
كل شيء بدا أكثر أمانًا.
أو ربما… كنت أنا من لا يرى التفاصيل.
لكن ما أنا متأكد منه الآن، أن الصورة التي كنت أحملها كانت أجمل بكثير من الواقع الذي عرفته بعد ذلك.