البارت 1
دقيقتان قراءة · 346 كلمة
البارت الأول: زنزانة المسودات
أسوأ لحظة إدراك
POV: "حين تكتشف أنك كنت تؤرخ غيابهم، بينما كانوا هم يؤرخون حياة جديدة مع غيرك."
الاقتباس: "الخيبة ليست في رحيلهم، الخيبة هي أنك حبستَ نفسك في غرفتهم المظلمة لسنوات، لتكتشف لاحقاً أنهم هدموا البيت كله وبنوا مكانه قصراً ليس لك فيه حتى زاوية."
كانت "ليلى" تعيش في توقيتٍ مختلف عن العالم. الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المدينة، لكنها بتوقيت قلبها كانت تشير إلى "سنتين، وثلاثة أشهر، وأربعة أيام" من الغياب.
كعادتها كل ليلة، ضوء الهاتف هو الونيس الوحيد لملامحها الشاحبة. لم تفتح تطبيقات التواصل، ولم تتفقد "الحالات" (Stories)، بل ذهبت مباشرة إلى تطبيق الرسائل، ضغطت على "إنشاء رسالة"، كتبت في خانة المستلم اسمه الذي لم يعد يُنطق، وبدأت تكتب في المسودات:
"عزيزي الغائب.. اليوم أمطرت للمرة الأولى هذا الشتاء. هل تذكر معطفك الرمادي الذي غطيتني به ذات مطر؟ ما زال يعبق برائحتك، وما زلتُ أنا.. أرفض غسله كي لا يرحل آخر ما تبقى منك."
ضغطت "حفظ كمسودة". كان الرقم في الأعلى يشير ببرود إلى: (842).
ثمنمئة واثنان وأربعون يوماً من الحكايات التي لم يقرأها أحد، والكلمات التي ماتت في حنجرة الهاتف. كانت تظن أن هذه المسودات هي خيط الدخان الذي يربطها بالواقع، وأنها حين يعود -وهي تؤمن بعودته- ستقدمها له كصكّ غفران عن وفائها.
قطع حبل أفكارها إشعارٌ غريب. "مجموعة الجامعة القديمة" التي أسكتت تنبيهاتها منذ زمن. فتحت الرابط الذي أرسلته إحدى الزميلات بفضولٍ قتله الندم لاحقاً.
كانت دعوة زفاف إلكترونية، مزينة بالورود البيضاء والموسيقى الحالمة. وفي المنتصف، تجمدت الدماء في عروق ليلى.
"ياسر & مريم".. والتاريخ: غداً.
ياسر، صاحب المعطف الرمادي، صاحب المسودة رقم 842، كان يبتسم في الصورة بصدقٍ لم تره فيه يوماً. لم يكن يبدو كشخصٍ ينتظر رسالة، أو يشعر ببرد الشتاء، أو يتذكر معطفاً قديماً. كان يبدو.. "ناجياً" من غرقها.
في تلك اللحظة، شعرت ليلى ببرودة الهاتف في يدها وكأنه قطعة ثلج. نظرت إلى رقم المسودات (842). أدركت أنها لم تكن تكتب رسائل حب، كانت تكتب "محضر حبس" لنفسها. كانت تبني سجناً من الكلمات، بينما كان هو يبني حياة من الأفعال.. مع غيرها.
بأصابع ترتجف، ضغطت على "تحديد الكل" في مجلد المسودات. توقفت ثانية، تذكرت كل حرف، كل دمعة سقطت على الشاشة، ثم ضغطت "حذف".
تم حذف 842 مسودة.
أصبح المجلد فارغاً تماماً.. تماماً مثل قلبها في تلك اللحظة.