تبرير وإعذار
دقيقتان قراءة · 303 كلمة
عندما كانت تحادثني أو تراسلني
كنت قد قررت أن أكابر.
أن أبدو قويا.
أن أظهر لها أن غيابها لم يهزني.
أنني لم أكن أنتظر.
أنني لم أكن أُحصي الأيام.
كنت بارد معها.
مختصراً في كلماتي.
متوازنا أكثر مما ينبغي.
لكن الحقيقة؟
كنت مجروحاً.
كنت غاضباً من فكرة أنها غابت دون أن تخبرني.
غاضباً لأنني جعلتها جزءاً من عالمي
ثم وجدت عالمي فجأة بلا تفسير.
رغم أنني كنت أسعد الناس بها
إلا أن قلبي شعر بالخيانة من الصمت.
وحين قرأت رسالتها الطويلة
توقفت عند كل كلمة.
لم تكن تبرر.
كانت تشرح.
قالت إنها تعرف أنني زعلان.
وأن غيابها لم يكن خياراً.
ثم كتبت واكملت السرد
أنها في اليوم الذي اختفت فيه
تعرضت لحادث سيارة.
قرأت الجملة مرة
ومرة أخرى
وثالثة.
شعرت أن الأرض تميد بي.
دخلت المستشفى أياماً.
حُرمت من اختبارات السنة الأخيرة.
السنة التي كانت تحلم أن تنهيها بقوة.
لم تخبرني لأنها لم تستطع.
ولأنها كانت تكافح لتبقى واقفة.
ثم جاء القرار الأصعب.
والدها غيّر المدينة.
مدرسة جديدة.
حياة جديدة.
انقطاع تام عن الهاتف.
عام كامل من التركيز.
من الكتب.
من الصمت.
من التحدي.
لكن وسط كل هذا
كان هناك شرط.
لقد اشترطت على اهلي
إن حصلت على درجة قوية
سأدرس الطب.
توقفت عند هذه النقطة.
لأنني تذكرت.
كنت أقول لها دائماً
يا دكتورة.
أمزح لكن في داخلي كنت أؤمن بها.
وهي كتبت لي الآن
أنها أرادت أن ترى نفسها كما أراها أنا.
أن تصبح طبيبة كما كنت أتمنى لها.
أن تمشي في الطريق الذي كنت أرسمه لها ضاحكاً.
وقالت
ألم يكن لديك حلم ينقصه طبيبة؟
سأصبح طبيبة لأجل عينك.
سأحقق حلمك كما كنت تتخيله.
عندها
لم أستطع أن أكون بارداً أكثر.
سبقتني الدموع.
نزلت دون إذن.
دون مقاومة.
في تلك اللحظة أدركت شيئ واحد
هي لم تخذلني.
ولم تكن يوماً لتفعل.
كانت تقاتل بطريقتها.
تبني نفسها.
تتحمل القسوة.
وتصنع مستقبلاً
تحملني فيه.
وقالت في آخر رسالتها
إنها عادت.
وأنها لن تغيب بعد الآن.
وأن هذه أولى الخطوات.
فقلت أولى الخطوات
نحو ماذا؟
قالت نحو حلم مشترك.
نحو طريق لا نسير فيه متفرقين.
نحو وعد غير مكتوب لكنه واضح في القلوب.
أولى الخطوات نحو
أن نكون سنداً لبعضنا.
أن لا نهرب من الخوف
بل نواجهه سويا.
أن نكبر دون أن نكبر بعيداً عن بعض.
أن نبني مستقبل لا يُهدم بغياب مفاجئ.
أن يكون نجاحها نجاحي
وأن يكون استقراري أمانها.
في تلك الليلة
شعرت أنني للمرة الأولى لا أحب فتاة فقط
بل أحب امرأة تقاتل لتبقى
وتقاتل لتنجح
وتقاتل لتكوّن الحلم الذي نرسمه سوياً