جزء جديد من عَــاشق نـوربقلم austintxt فصل 1

ما بعد العودة

دقيقتان قراءة · 380 كلمة

حين عادت نور

لم أكن أنا كما كنت.

كنت قد وصلت إلى حافة اليأس

ذلك النوع من اليأس الذي لا يصرخ

بل يسكنك بهدوء

حتى تظن أنك تصالحت معه.

بقيت في دولة مجاورة لها

ليس لشيء

فقط لأكون قريباً من احتمال خبر عنها.

كنت أعيش على فكرة ربما.

ربما أسمع عنها.

ربما تعود.

ربما تكتب.

ثم بدأت ألاحظ أنني لم أعد أفكر بالعودة إلى موطن والدتي.

المكان الذي كان يحمل رائحتها

صوتها

ذكرياتها.

بعد وفاتها رحمها الله

شيء في داخلي انكسر.

ست سنوات كاملة وأنا أهرب من فكرة الرجوع إلى موطن والدي.

ست سنوات أعيش بين هويةٍ معلقة

بين دمين

بين نسبين

بين عالمين.

والدتي

كانت من سلالة لا تعرف التراجع.

قومٌ إذا أحبوا قاتلوا

وإذا غضبوا اشتعلوا

وإذا دافعوا عن شيء يخصهم

لم يعودوا كما كانوا.

كنت أرى في أخوالي ناراً لا تخبو.

كنت أقول في نفسي

ربما يجب أن أكون مثلهم.

ربما عليا أن أتعلم كيف أكون قاسياً.

كيف أقاتل.

كيف لا أتراجع.

لكن في الطرف الآخر

كنت أنا.

أنا العربي الذي يؤمن أن الشجاعة ليست تهور

وأن الحمية ليست ظلم

وأن القوة ليست في الصوت المرتفع

بل في القرار الصحيح.

وقررت

قررت أن أعود إلى موطن والدي.

لا أعرف لماذا.

لم يكن القرار منطقياً.

لم يكن مدروساً

كان شيئاً يشبه النداء الداخلي.

حين وصلت

استقبلني أهل أبي باحتفال كبير.

ذبائح.

أصوات ترحيب.

عناق طويل.

لكن بين كل جملة ترحيب

كنت أسمعها.

جاء ابن الأجنبية.

رجع ابن الأجنبية.

كانت تُقال ضاحكة أحياناً

وأحياناً بنبرة لا تخطئها الأذن.

كنت أبتسم.

لكن شيئاً في داخلي كان يشتعل.

لم يغضبني اللقب

بل جعلني أكثر فخراً

نعم أنا ابن الأجنبية.

ابن المرأة التي علمتني ألا أكون نسخة من أحد.

ابن المرأة التي زرعت فيني قلباً لا يعرف الخيانة.

زادني الأمر صلابة.

زادني تمسكاً بذكراها.

وفي خضم هذا الصراع الداخلي

كنت ما زلت أكتب لنور.

كل يوم.

رسائل طويلة.

خواطر.

تفاصيل يومي.

انتصاراتي الصغيرة.

انكساراتي الخفية.

كنت أكتب لها كأنها تقرأ.

كأنها موجودة.

كأنها ستعود يوماً وتجد كل شيء محفوظاً لها.

وفي أحد التطبيقات

كانت هناك قناة صغيرة

أنشر فيها ما أكتبه.

لم أكن أعلم

أنها كانت تتسلل أحيانا

بواسطة هاتف أبيها

لتقرأ.

لم أكن أعلم أن صمتي لم يكن صمت من طرف واحد.

وفي ليلة عادية

ليلة لا تختلف عن غيرها

كنت أقلب هاتفي بلا هدف.

حتى رأيت إشعار

رسالة.

تقول:

مرحباً أنا نور.

توقفت أنفاسي.

قرأت الاسم مرة.

ومرة أخرى.

وثالثة.

كأنني أخشى أن يختفي.

كتبت:

أنا حاليا في مصر

أنهيت السنة الأخيرة

ونزلت مع أمي وأختي

لأتقدم لإحدى الجامعات لدراسة الطب

فقررت أن أتواصل معك.

في تلك اللحظة

انتعشت روحي كما لو أن أحدهم أعادها إلى صدري بيديه.

لم أصدق.

نور

الفتاة الصغيرة التي كنت أمازحها في المرحلة الثانوية

التي كنت أناديها يا دكتورة

وأقول لها ضاحكاً

إذا تخرجتي واكملتي دراستك أريدك طبيبة.

كانت ستصبح طبيبة حقاً

كنت قد آمنت بها

قبل أن تؤمن بنفسها.

قبل أن يؤمن بها أهلها.

وها هي الآن

تعود.

وتحقق أول خطوة في الحلم.

في تلك اللحظة

لم يكن بيننا مجرد رسالة.

كان بيننا عام من الصمت

وآلاف الكلمات غير المرسلة

ومسافات طويلة

وصراع هوية

ووجع فقد أم

وعناد قلب رفض أن ينسى.

نور لم تعد فقط.

هي أعادتني.