أرشيف الزمن المقلوببقلم AL7R فصل 2

دقات خارج الزمن

5 دقائق قراءة · 828 كلمة

في تلك اللحظة التي انقطعت فيها الكهرباء، لم يكن الظلام عدواً لإلياس، بل كان حليفاً قديماً يعرف تفاصيل مملكته الميكانيكية. ساد صمت ثقيل لثوانٍ، لم يقطعه سوى "تكتكة" الآلة الكروية التي كانت تنبض بين يديه بانتظام غريب، وكأنها قلب معدني يحاول إخباره بشيء ما.

سمع إلياس صوت تحطم الخشب عند الباب الرئيسي. لقد اقتحم الرجلان الورشة. تحرك إلياس بخفة، مستخدماً حواسه التي تدربت لسنوات على التعامل مع أدق التفاصيل. لم يكن بحاجة إلى ضوء؛ فجسده يحفظ المسافات بين الطاولات، ومواقع الرفوف، وحتى الزوايا الحادة لآلات الخراطة اليدوية.

"السيد إلياس، لا تجعل الأمور تتعقد أكثر،" جاء الصوت الرخيم لأحد الرجلين، وكان يقترب من وسط الورشة. "نحن نعلم أنك لا تحب الفوضى. سلمنا الأداة وسنعيد لك هدوءك."

حبس إلياس أنفاسه خلف خزانة الساعات الجدارية الضخمة. تذكر نصيحة أستاذه صابر: "الزمن ليس عدداً نعده، بل هو فعل ننجزه". كان عليه أن يتصرف بناءً على هذا المبدأ. لم يكن هروبه مجرد خوف، بل كان خطوة مسببة لحماية السر الذي اؤتمن عليه.

مد يده ببطء إلى رف قريب، وسحب خيطاً رفيعاً كان قد ثبته قديماً لتشغيل مجموعة من الساعات المنبهة معاً في وقت واحد كاختبار للدقة. وبحركة سريعة ومدروسة، جذب الخيط.

فجأة، وفي آن واحد، انطلقت عشرات الساعات المنبهة في أرجاء الورشة بصوت رنين هستيري متضارب. كانت الأصوات تنعكس على الجدران، مما خلق تشويشاً سمعياً كاملاً جعل من المستحيل تحديد موقع إلياس. استغل تلك الثواني من الارتباك، وانزلق نحو الفتحة الصغيرة خلف الورشة، وهي ممر ضيق مخصص للتخلص من النفايات المعدنية، يؤدي مباشرة إلى زقاق خلفي مغطى بالضباب.

عندما لامست قدماه أرض الزقاق الباردة، لم يتوقف ليلتقط أنفاسه. كان عليه أن يبتعد عن حي "المنارة" بأسرع وقت ممكن. وضع الآلة الكروية في جيب معطفه الداخلي، وشعر بحرارتها تزداد قليلاً. نظر إلى المؤشر بسرعة تحت ضوء عمود إنارة باهت: 29 يوماً و23 ساعة و40 دقيقة.

كان عليه أن يجد مكاناً آمناً ليفهم الرسالة المشفرة لأستاذه. "النقطة التي يلتقي فيها البحر بالجبل". كانت هذه العبارة تتردد في ذهنه كإيقاع الساعات التي تركها خلفه. لم تكن مجرد وصف جغرافي، بل كانت شيفرة يعرفها هو وأستاذه فقط.

بعد مسيرة نصف ساعة في طرقات ملتوية، وصل إلياس إلى منطقة "الجرف القديم". هناك، توجد منارة مهجورة بنيت فوق نتوء صخري شاهق يطل على الميناء. كان صابر دائماً ما يأخذه إلى هناك ليعلمه كيف يراقب حركة الأمواج ويقارنها بحركة التروس؛ فكلاهما يخضع لقوانين ميكانيكية كونية.

دخل إلياس إلى قاعدة المنارة، وأشعل مصباحاً يدوياً صغيراً. أخرج الآلة الكروية ووضعها على طاولة حجرية. بدأ يتفحصها بعين الخبير، ولم يكتفِ بالنظر إلى السطح، بل حاول اختراق بنية التروس من خلال الغلاف الزجاجي.

"هذه ليست مجرد تروس.. إنها منطق رياضي متداخل،" تمتم إلياس وهو يلاحظ أن بعض التروس لا تدور بشكل دائري، بل بشكل بيضاوي معقد، مما يعني أنها تتبع حسابات غير تقليدية للوقت.

بينما كان غارقاً في تحليله، لاحظ وجود ثقب دقيق جداً في قاعدة الكرة، يشبه ثقوب المفاتيح في الساعات الفاخرة. تذكر الرسالة: "العاصفة تقبع في التروس". فكر إلياس في "السببية" التي تحكم هذه الآلة؛ إذا كان هناك ثقب مفتاح، فلا بد من وجود مفتاح، وإذا لم يرسل صابر مفتاحاً، فالمفتاح لا بد أن يكون شيئاً يملكه إلياس بالفعل.

أخرج إلياس من جيبه "مفكاً" صغيراً ذا رأس مربع، كان صابر قد أهداه إياه في يوم تخرجه من التلمذة. وضعه في الثقب، وأداره ببطء.

فجأة، توقفت التروس عن الدوران الهستيري، وانبعث من داخل الكرة شعاع ضوئي ضعيف، رسم على الجدار المقابل خريطة ثلاثية الأبعاد للمدينة، لكنها لم تكن مدينة اليوم، بل كانت تظهر أنفاقاً وممرات تحت الأرض لم تظهر في أي خرائط رسمية. كانت هناك نقطة تومض باللون الأحمر تحت مبنى "المركز الجيولوجي الوطني".

"الأرشيف.. إنه هناك،" همس إلياس.

لكن اكتشافه لم يدم طويلاً. سمع صوت حفيف خلفه، التفت بسرعة ليجد امرأة تقف عند مدخل المنارة، كانت ترتدي ملابس عملية، وتحمل في يدها جهازاً يبدو ككاشف للمعادن. لم تكن من أصحاب المعاطف الرمادية؛ فملامحها كانت تحمل مزيجاً من القلق والذكاء الحاد.

"لا تتحرك،" قالت بصوت حازم ولكن غير عدواني. "أنا الدكتورة هالة، من المركز الجيولوجي. إذا كنت أنت من تلقى طرد المهندس صابر، فنحن في خطر عظيم.. والوقت الذي تراه على تلك الآلة ليس مجرد عد تنازلي، إنه نبض المدينة الذي بدأ يتلاشى."

اتسعت عينا إلياس. هل كانت هالة جزءاً من "السببية" التي أعدها أستاذه؟ أم أنها عقبة جديدة في طريقه؟.

"كيف عرفتِ مكاني؟" سأل إلياس وهو يخفي الآلة بيده.

"الجهاز الذي في يدك يرسل ذبذبات تحت صوتية تؤثر على استقرار القشرة الأرضية في هذا القطاع،" أجابت وهي تتقدم بحذر. "إذا لم نقم بموازنة تلك التروس فوراً، فإن 'العاصفة' التي تحدث عنها صابر لن تكون مجرد استعارة.. ستكون زلزالاً يبتلع حي المنارة بالكامل."

في تلك اللحظة، سمعا صوت مروحية تقترب من المنارة. أضواء الكشافات بدأت تمسح جدران الجرف الصخري. "حراس السكون" لم يتوقفوا عن المطاردة.

أدرك إلياس أن عليه أن يتخذ قراراً انفعالياً وعقلياً سريعاً. لم يكن أمامه خيار سوى الثقة في هذه الغريبة التي تحمل إجابات علمية لمأزقه الميكانيكي.

"دكتورة هالة،" قال إلياس وهو يجمع أدواته، "أتمنى أنكِ تجيدين التعامل مع الميكانيكا المعقدة، لأننا أمامنا 29 يوماً و22 ساعة لمنع كارثة لا أفهم كنهها بعد."

انطلقا معاً نحو ممر سري أسفل المنارة، بينما بدأت الأرض تحت أقدامهما تهتز بشكل خفيف، متناغماً مع دقات الآلة الكروية التي أصبحت الآن تتسارع بشكل ينذر بالخطر.