أرشيف الزمن المقلوببقلم AL7R فصل 1

طرْد بلا عنوان

5 دقائق قراءة · 895 كلمة

كان الضباب يزحف فوق أرصفة المدينة الساحلية مثل كائن حي يفتش عن أسرار البيوت القديمة. في زاوية منسية من حي "المنارة"، حيث تتراص الحوانيت ذات الواجهات الخشبية التي نخرها الملح، كان "إلياس" يجلس خلف مكتبه الغارق في الفوضى المنظمة. ورشته الصغيرة لم تكن مجرد مكان للعمل، بل كانت محمية ميكانيكية ضد العالم الخارجي الذي أصبح يعج بالشاشات اللمسية والذكاء الاصطناعي.

...

بالنسبة لإلياس، كانت الحقيقة تسكن في "التروس". فالميكانيكا لا تكذب؛ إذا تعطل ترس، سيتوقف المحرك، وإذا انكسر نابض، سكت النبض. كان يبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاماً، لكن يديه اللتين تلطختا بزيوت الساعات لسنوات طوال، كانت تبدوان كأيدي جراح قديم. كان يرتدي نظارة مكبرة مثبتة على جبهته، ويحمل مفكاً دقيقاً كإبرة الخياطة، يحاول إعادة الروح إلى ساعة جيب عتيقة تعود للقرن التاسع عشر.

صوت التكتكة في الورشة لم يكن ضجيجاً بالنسبة له، بل كان إيقاعاً منتظماً يمنحه السكينة التي يفتقدها في الزحام. وفجأة، اخترق هذا الإيقاع صوت جرس الباب النحاسي.

رفع إلياس رأسه ببطء، أزاح النظارة المكبرة عن عينيه المتعبتين. كان يقف خلف الباب الزجاجي الضبابي ظل طويل. فتح الباب، ليدخل شاب يرتدي زي سعاة البريد، وبدت عليه علامات العجلة.

"السيد إلياس؟" سأل الشاب وهو يمسح قطرات الندى عن جبهته.

"نعم، أنا هو." أجاب إلياس بصوت هادئ، وعيناه تراقبان الصندوق الخشبي الصغير الذي يحمله الشاب.

"هذا الطرد وصل للتو إلى المكتب الرئيسي، لا يوجد اسم مرسل، فقط عنوانك المكتوب بخط اليد.. ووصية بأن يُسلم لك شخصياً قبل غروب الشمس."

وضع الساعي الطرد على الطاولة، ووقع إلياس على ورقة الاستلام بآلية. كان الصندوق مغلفاً بورق مقوى سميك، ولم يكن يحمل طوابع بريدية معتادة، بل ختماً شمعياً أحمر قديماً يحمل شعاراً لم يره إلياس من قبل: ترس متداخل مع ريشة طائر.

انصرف الساعي، وبقي إلياس وحده مع الصندوق. شعر ببرودة غير طبيعية تنبعث من الورق. تردد للحظة؛ فالفلسفة التي يعيش بها تحثه على الحذر من كل ما هو مجهول. لكن فضوله المهني، الذي وصفه بلوك بأنه المحرك الأساسي للشخصية الروائية الناجحة ، دفعه لمد يده.

استخدم شفرة حادة لفتح الورق المقوى. تحت الغلاف، برز صندوق خشبي مصنوع من أبنوس فاخر، وفي وسطه قفل نحاسي معقد لا يشبه الأقفال التقليدية. لم يكن يحتاج إلى مفتاح، بل كان يتكون من مجموعة من الحلقات الدوارة التي تحمل أرقاماً ورموزاً.

"قفل توافقي.. ميكانيكي بالكامل،" تمتم إلياس بإعجاب.

أمضى إلياس الساعات التالية في محاولة فهم منطق القفل. لم يكن الأمر مجرد أرقام، بل كان لغزاً يعتمد على التوازن والوزن. كان يتذكر كلمات أستاذه القديم الذي علمه الصنعة: "الآلة هي مرآة لعقل صانعها، إذا فهمت العقل، طوعت الآلة."

عندما مالت الشمس نحو الغروب، وصبغت السماء المدينة بلون النحاس، سمع إلياس تلك "النقرة" المحببة. انفتح الصندوق ببطء، وكشف عن محتواه الذي جعل أنفاسه تتسارع.

داخل الصندوق، كانت تقبع أداة معدنية كروية الشكل، بحجم ثمرة الرمان، مصنوعة من خليط مجهول من المعادن يجمع بين لمعان الذهب وصلابة الصلب. لم تكن ساعة، ولم تكن بوصلة، لكنها كانت تحتوي على مئات التروس الدقيقة التي يمكن رؤيتها من خلال غلاف زجاجي صلب. في منتصف الكرة، كان هناك مؤشر صغير يشير إلى رقم "30".

أمسك إلياس بالأداة بحذر. بمجرد أن لامست أصابعه سطحها، شعرت بذبذبة خفيفة، وكأن الآلة استيقظت من سبات عميق. فجأة، بدأت التروس في الداخل تدور بسرعة مذهلة، وصدر عنها صوت رنين موسيقي خافت، ثم تحول الرقم من "30" إلى "29: 23: 59".

"عد تنازلي؟" همس إلياس، وشعر بقطرة عرق باردة تنزلق على ظهره.

بينما كان يحاول فهم طبيعة هذا العد، سقطت من غطاء الصندوق ورقة مطوية بعناية. فتحها إلياس ليجد خطاً يعرفه تماماً.. خطاً لم يره منذ عشرين عاماً. كانت رسالة من "المهندس صابر"، أستاذه الذي اختفى في ظروف غامضة واعتبره الجميع في عداد الموتى.

"إلياس يا بني، إذا كنت تقرأ هذا، فالمحرك قد بدأ. العالم يظن أن الزمن يتدفق في اتجاه واحد، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. هذه الآلة ليست لقياس الوقت، بل هي الإنذار الأخير. أمامك ثلاثون يوماً لتجد الأرشيف وتصحح الخطأ الذي بدأناه معاً. لا تثق في الهدوء، فالعاصفة تقبع في التروس. ابحث عن النقطة التي يلتقي فيها البحر بالجبل.. هناك ستبدأ رحلتك."

لم يكد إلياس ينهي السطر الأخير حتى سمع صوت كبح مفاجئ لسيارة أمام ورشته. أضواء ساطعة اخترقت الضباب والزجاج، ثم تحطم زجاج النافذة الأمامية بحجر ملفوف بورقة سوداء.

تراجع إلياس إلى الخلف، محتضناً الآلة الكروية إلى صدره. كان قلبه ينبض بعنف لم يعهده من قبل. نظر من خلال الفجوة في الزجاج المحطم، ليرى سيارة سوداء ذات زجاج داكن تقف في الخارج، ونزل منها رجلان يرتديان معاطف رمادية طويلة، وبدت ملامحهما باردة وصارمة تحت أضواء الشارع الشاحبة.

أدرك إلياس في تلك اللحظة أن حياته الرتيبة بين تروس الساعات قد انتهت إلى الأبد. لم يعد مرمماً للساعات فحسب، بل أصبح حارساً لسر قد يغير وجه المدينة.. أو يدمرها.

تقدم الرجلان نحو باب الورشة بخطوات واثقة ومنتظمة. لم يطرقا الباب، بل دفعاه بقوة جعلت القفل النحاسي العتيق يصرخ من الألم الميكانيكي.

"السيد إلياس،" قال أحدهما بصوت أجوف خالٍ من أي مشاعر، "لدينا شيء يخصنا داخل هذا الصندوق، والأفضل أن تسلمه لنا الآن.. قبل أن يتوقف الزمن تماماً."

نظر إلياس إلى الآلة في يده؛ كان المؤشر يشير الآن إلى: 29 يوماً و23 ساعة و55 دقيقة.

شعر بضغط المسؤولية، وتذكر نصيحة "بلوك" في بناء الحبكة: "يجب أن ينطلق الحدث من قرار انفعالي للشخصية". في تلك اللحظة، اتخذ إلياس قراره. لن يسلم إرث أستاذه لهذه الوجوه الباردة.

انطفأت الأنوار في الورشة فجأة، وبدأ إلياس في التحرك في الظلام الذي يحفظ كل زاوية فيه، بينما كان الرجلان يقتحمان المكان. كانت رحلة الـ 30 يوماً قد بدأت فعلياً، ولكن إلياس لم يكن يعرف بعد أن العدو الذي يواجهه ليس مجرد رجال في معاطف رمادية، بل هو نظام كامل يسعى لمحوه من الوجود.

لقد انتهى الفصل الأول.