شمعة حنينبقلم صدى القارئ فصل 1

بداية لم أفهمها

3 دقائق قراءة · 442 كلمة

كنت في الرابعة عشرة من عمري… أو هكذا كنت أقول دائمًا.

جسدي كان صغيرًا كأي فتى في سني، لكن في داخلي كان شعور غريب يرافقني، وكأن عقلي يسبق عمري بخطوة. لم أفهم السبب… لكنني كنت أشعر به في كل موقف، في كل حديث، وحتى في نظرات من حولي.

كنت أذهب إلى المدرسة كل صباح كأي طالب عادي. أضحك مع أصدقائي، أمزح كثيرًا، وأحيانًا أكون مشاغبًا قليلًا. ومع ذلك، كان الجميع يحبني بطريقة لم أفهمها تمامًا؛ الطلاب والمعلمون على حد سواء. بعضهم يبتسم لي باستمرار، وآخرون يقتربون مني للحديث وكأنني أكبر من سني.

لم أكن الطالب الأكثر اجتهادًا. في كثير من الأحيان كنت أهمل دراستي، لكن حين أقرر التركيز، كنت أفهم بسرعة لافتة. كان المعلمون يرون فيّ عقلًا جيدًا، لكنهم دائمًا يكررون أنني لا أستغله كما ينبغي.

أكثر ما كان يميزني هو رغبتي في مساعدة الآخرين. كنت أستمع لقصص زملائي، لمشاكلهم الصغيرة قبل الكبيرة. أحيانًا تكون خلافات بسيطة، وأحيانًا أمورًا أعقد من ذلك. كانوا يأتون إليّ، يجلسون بقربي، ويتحدثون براحة وكأنهم واثقون أنني سأفهمهم.

لم أكن أعرف كيف، لكنني غالبًا ما كنت أجد الكلمات المناسبة.

كنت أتحدث بهدوء، وأحاول أن أجعل كل طرف يرى الأمور من زاوية الآخر. وفي كثير من الأحيان، كانت الخلافات تنتهي بابتسامة خفيفة، ويعود الهدوء كما كان.

وإن تعقّدت الأمور أكثر، كنت أدعوهم إلى البيت بعد المدرسة. نجلس ونتحدث حتى تهدأ النفوس. لم يكن في الأمر شيء معقد… مجرد صدق في الكلام، وقليل من الاهتمام، وهذا كان كافيًا ليمنحهم شعورًا بالراحة.

ربما لهذا السبب، وُلد في داخلي حلم واضح: أن أصبح طبيبًا نفسيًا.

لم أفكر يومًا في المال أو الشهرة، بل أردت فقط أن أفهم الناس، وأن أساعدهم حين تثقل قلوبهم. كنت أرى الحزن في عيون البعض، وأشعر برغبة حقيقية في تخفيفه.

كان لدي أصدقاء أكبر مني سنًا، وكنت أشعر أنني أقرب إليهم من أبناء جيلي. ليس لأنني أفضل، بل لأنني كنت أجد نفسي في أحاديثهم أكثر. كانوا يستشيرونني أحيانًا في أمور تفوق عمري، لكنني كنت أستمع… وهذا كان يكفيهم.

حتى بعض المعلمين لاحظوا ذلك.

وفي مرات قليلة، كان المدير يستدعيني إلى مكتبه، لا لسبب مهم، بل لنجلس ونتحدث. كان يسألني عن المدرسة، عن الطلاب، وعن رأيي في بعض الأمور. لم أفهم السبب تمامًا، لكنني كنت أشعر بثقة غريبة تُمنح لي.

ورغم كل ذلك… كنت مجرد مراهق.

أضحك كثيرًا، أغضب أحيانًا، وأعيش أيامي ببساطة كأي فتى آخر. كانت الحياة تمضي بهدوء، بين المدرسة والبيت والأصدقاء، دون أن أفكر كثيرًا في المستقبل.

لم أكن أعلم أن كل شيء قد يتغير بسبب لحظة صغيرة…

نظرة عابرة، لقاء غير متوقع، أو شخص يظهر فجأة في يوم عادي.

لم أكن أعلم أن قصة ستبدأ قريبًا…

قصة ستسكن قلبي لسنوات، وتترك أثرًا لا يُمحى.

في ذلك الوقت، كانت حياتي ما تزال هادئة…

هادئة وبسيطة… قبل أن تبدأ الحكاية.

الحكاية التي… لم أكن مستعدًا لها.