نبض في صمت
دقيقتان قراءة · 295 كلمة
المطر كان يتساقط برفق، يملأ الشوارع بصوت خافت يتسلل إلى الداخل كأنه يطرق على الذاكرة. جلست أمل في المقهى الصغير، قرب نافذة زجاجية واسعة، تمسك كوب القهوة بين يديها كأنها تبحث عن دفء لا تجده في الخارج ولا في داخلها. لم تكن تعرف لماذا اختارت هذا المكان تحديدًا، لكنها كانت بحاجة إلى الابتعاد عن كل شيء… عن الضجيج، عن الناس، وعن نفسها قليلًا.
بعد دقائق، دخل مهند المقهى ومعطفه مبلل بالمطر. توقّف لحظة عند الباب، يمرّر نظره بين الطاولات قبل أن يستقر على زاوية النافذة. هناك كانت تجلس أمل، صامتة بطريقة لافتة، لا تشبه ازدحام المكان من حولها. شيء ما فيها جذب انتباهه دون تفسير واضح، كأن صمتها كان يدعوه للاقتراب.
اقترب بخطوات هادئة، ثم قال: – "ممكن أقعد قريب من النافذة؟"
رفعت أمل رأسها، نظرت إليه لحظة قصيرة، ثم قالت بهدوء: – "إي، ممكن… ما في مشكلة."
جلس مهند على الطاولة القريبة من النافذة، في نفس الزاوية الهادئة التي كانت تجلس فيها أمل. خلع معطفه المبلل ووضعه جانبًا، بينما ظل صوت المطر يملأ المكان بهدوء مريح.
للحظات، لم يتكلم أحد. كان الصمت طبيعيًا، غير مزعج، كأنه مساحة هادئة بين شخصين جمعتهما صدفة عابرة.
قال مهند أخيرًا: – "المطر اليوم هادي… فيه شيء مريح."
ابتسمت أمل بخفة وهي تنظر إلى النافذة: – "الهدوء أحيانًا بيخلّي الأفكار أعلى من الصوت نفسه."
هزّ مهند رأسه بهدوء. لم تكن الكلمات كثيرة، لكن كل جملة كانت تترك أثرًا خفيفًا وتفتح بابًا صغيرًا للتعارف.
مرّ الوقت ببطء هادئ، بين نظرات عابرة وكلمات بسيطة، وصمت لم يعد فارغًا هذه المرة.
وعندما نهض مهند للمغادرة، قال باحترام: – "تشرفت بمعرفتك."
رفعت أمل نظرها إليه بهدوء، وأجابت: – "وأنا كمان."
خرج مهند من المقهى، وبقيت أمل تنظر للحظة نحو الزاوية التي جلس فيها. لم يكن ما حدث كبيرًا، لكنه لم يكن عابرًا أيضًا… كان لقاءً صدفة، ترك خلفه شيئًا خفيفًا بدأ يتشكل بصمت.