الوقت الذي لا يعود
4 دقائق قراءة · 608 كلمة
بدأتُ القراءة، ولم أكن أتوقع أن تأخذني الصفحات الأولى إلى مكان بعيد عن حياتي. لم أجد مقدمة طويلة أو كلمات زائدة، بل وجدت قصة بدأت برجل يقف أمام باب مستشفى، يحدق في ساعة يده وكأنه ينتظر منها أن تعيد إليه دقائق ضاعت منه قبل أن يعرف قيمتها. كان اسمه سامر، وكان واقفًا في الممر وحيدًا، وملامح القلق على وجهه، بينما كان باب الغرفة مغلقًا أمامه. قبل ساعات قليلة، كان يجلس في مكتبه منشغلًا بعمله عندما رن هاتفه، ورأى اسم والدته على الشاشة، لكنه لم يجب. قال لنفسه إنه سيتصل بها عندما ينتهي، فهناك دائمًا وقت لاحق، أو هكذا كان يعتقد.
مرّت ساعة، ثم ساعتان، وعندما انتهى عمله وجد ثلاث مكالمات فائتة منها. حاول الاتصال بها، لكن هاتفها لم يجب. أعاد الاتصال مرة أخرى، ثم جاءه اتصال من رقم غريب يخبره أن والدته سقطت في المنزل ونُقلت إلى المستشفى. ترك كل شيء وخرج مسرعًا، لكنه طوال الطريق كان يكرر في داخله أنها ستكون بخير، وأنه سيجلس معها عندما يصل، وأن كل شيء سيكون كما كان. وصل إلى المستشفى، وبقي ينتظر أمام الغرفة حتى خرج الطبيب ونظر إليه بنظرة جعلته يفهم الإجابة قبل أن يسمعها.
قال الطبيب بهدوء: «أنا آسف.»
توقفتُ عن القراءة للحظات. وضعتُ الكتاب على ركبتي وبقيت أحدق في الصفحة، ثم عدتُ إليها. كان سامر واقفًا في المكان نفسه، لكنه لم يعد ينتظر شيئًا. أخرج هاتفه من جيبه وفتح سجل المكالمات، وبقي ينظر إلى اسم والدته طويلًا. كانت المكالمات الثلاث أمامه، وكان يستطيع أن يتخيل صوتها وهي تنتظر منه أن يجيب. همس لنفسه: «كان يمكنني أن أجيب.» ثم جلس على الكرسي ووضع وجهه بين يديه، ولم يكن يبكي على ما حدث فقط، بل كان يبكي على كل مرة قال فيها: «لاحقًا». لاحقًا سأزورها، لاحقًا سأتصل بها، لاحقًا سأجلس معها، لاحقًا سأخبرها كم أحبها. لكنه اكتشف أن كلمة «لاحقًا» ليست وعدًا، وأنها أحيانًا مجرد طريقة نؤجل بها الأشياء التي نخاف أن نفقدها.
بعد أيام، عاد سامر إلى منزل والدته. دخل غرفتها للمرة الأولى منذ وفاتها، وفتح خزانتها، فوجد قميصًا كانت قد اشترته له ولم تمنحه إياه بعد. أمسكه بيديه وجلس على الأرض، وعندما أدخل يده في جيبه وجد ورقة صغيرة مطوية. فتحها ببطء، فوجد كلمات بخط والدته: «لا تؤجل من تحب، فبعض الأبواب إذا أُغلقت لا تفتحها كل مفاتيح العالم.» بقي يقرأ الجملة مرة بعد أخرى، ثم وضع الورقة على صدره وأغمض عينيه.
أغلقتُ الكتاب للحظة، وشعرت أن القصة لم تعد بعيدة عني كما ظننت في البداية. بقيت أفكر في الأشياء التي أؤجلها دائمًا، وفي الأشخاص الذين أقول لنفسي إن لدي وقتًا كافيًا لأتحدث معهم، وفي الأحلام التي أتركها معلقة بحجة أن الوقت لم يحن بعد. نظرت إلى هاتفي، ثم فتحته دون تفكير. مررت بين الأسماء حتى توقفت عند شخص كنت قد وعدته أكثر من مرة أن أتصل به، لكنني في كل مرة كنت أقول لنفسي: «بكرا.» بقي إصبعي فوق اسمه للحظات، ثم ضغطت زر الاتصال.
رن الهاتف مرتين قبل أن يجيبني. سمعت صوته يقول: «ألو؟» سكتُّ لثانية، ثم قلت: «اشتقتلك.» ضحك باستغراب وسألني عن سبب اتصالي المفاجئ، فابتسمت وقلت له إنني أردت فقط أن أسمع صوته. لم تكن مكالمة طويلة، ولم يحدث فيها شيء استثنائي، لكنها جعلتني أشعر أنني فعلت شيئًا كان يجب أن أفعله منذ وقت طويل.
بعد أن انتهت المكالمة، عدت إلى الكتاب وفتحته من جديد. قلبت الصفحة، فوجدت في أعلى الصفحة جملة قصيرة: «الوقت لا يخبرك متى ستكون آخر مرة.» بقيت أنظر إليها طويلًا، ثم تابعت القراءة. في تلك اللحظة فهمت أنني لم أشترِ كتابًا لأقرأه فقط، وأن ما بين يدي قد يكون أكثر قيمة مما توقعت. كان الكتاب يروي حكايات عن أشخاص لم أعرفهم، لكنني بدأت أجد شيئًا مني داخل كل حكاية.
وضعت إصبعي بين صفحات الكتاب، وأكملت القراءة، دون أن أعرف أن الصفحة التالية ستأخذني إلى فكرة أخرى لم أكن مستعدًا لها.
لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا بالنسبة لي: الوقت الذي يمر لا يعود، وما نملكه حقًا هو اللحظة التي نعيشها الآن.