البارت 1
دقيقة واحدة قراءة · 171 كلمة
في تلك الزاوية القصية من المدينة، حيث تنام الشمس على رفوف مكتبتي الخشبية، كنتُ أجلسُ محاطاً بجثثِ الكتبِ الهامدة، أحاولُ بعث الروح فيها من جديد. كانت رائحة "الورق المعتق" تملأ رئتيّ، رائحةٌ تشبهُ حكاياتِ الأجدادِ المنسية، ممزوجةً بعبقِ الحبرِ الذي جفّ قبل قرون.
بينما كانت أصابعي تلامسُ غلافاً جلدياً مهترئاً لكتابٍ مجهول العنوان، سقطت منه ورقةٌ مطويةٌ بعناية، كأنها كانت تنتظرُ أنفاسي لتبوح بسرها. لم تكن رسالة عادية، بل كانت "خريطة" مرسومة بمدادٍ باهت، تتوسطها تضاريسُ قلبٍ بشريّ، وفي أعلاها كُتب بخطٍ كوفيّ أصيل: "جبل الصدق.. حيث لا تضلُّ الأرواحُ سبيلها".
توقفتُ ملياً.. هل الحبُّ جغرافيا مكتشفة؟ أم أنه رموزٌ تحتاجُ إلى سيميائيٍّ بارع ليفكّ مغاليقها؟
في تلك اللحظة، رنّ جرسُ المكتبةِ معلناً دخول أول الزوار؛ كان "الشاعر"، بوجهه الشاحب وعينيه اللتين تحملان بريقاً لا ينطفئ. وضع ديوانه القديم أمامي وقال بنبرةٍ يملؤها اليقين: "يا مُرمّم الحكايا، الحبُّ ليس شعوراً، إنه 'آية' من آياتِ الله في تآلفِ الأرواح، فهل تستطيعُ ترميمَ بيتٍ شعريٍّ انكسرَ فيهِ وزنُ الشوق؟"
نظرتُ إليه، ثم إلى الخريطة، وأدركتُ أن رحلتي في سيمولوجيا الحب قد بدأت للتو من سفح "جبل الصدق".