العزلة هي الوطنبقلم صدى القارئ فصل 2

حين يضيق الصمت

دقيقتان قراءة · 309 كلمة

لم أعد أميز الفرق بين الصمت والهدوء.

في البداية كنت أظن أن الصمت مساحة أهرب إليها، أرتاح فيها من الكلام والأسئلة التي لا تنتهي. لكن شيئًا ما تغيّر ببطء، دون أن أنتبه. الصمت نفسه بدأ يضغط عليّ، كأنه لم يعد يحتمل وجودي فيه.

في البيت، كل شيء يبدو كما هو من الخارج. لكن “كما هو” لم يعد يعني شيئًا بالنسبة لي.

أعيش نفس التفاصيل، نفس الأصوات، نفس التكرار اليومي، لكن داخلي لم يعد يشارك بنفس الطريقة. كأنني أراقب الحياة بدل أن أكون جزءًا منها.

زوجتي تتحدث… وأنا أسمع.

لكن بين كل جملة وأخرى، هناك شيء ينفصل داخلي، يبتعد قليلًا دون أن ألاحقه.

لم تعد الأسئلة كثيرة، لكن نظرتها صارت أطول من الكلام.

“شو فيك؟”

سؤال بسيط، لكنه لم يعد بسيطًا كما كان.

لا أستطيع شرحه.

ليس لأن الجواب طويل، بل لأن أي جواب سيبدو ناقصًا، وأي اختصار سيحوّله إلى شيء غير صحيح.

فأقول كالعادة: “ولا شي.”

لكن حتى هذه الجملة لم تعد تمر بسهولة.

في العمل، نفس الشيء تقريبًا.

أؤدي دوري، أتكلم عند الحاجة، وأصمت أكثر مما أتكلم. ليس هروبًا… بل تقليلًا للاحتكاك مع كل ما لا يمكن شرحه.

الغريب أنني صرت أرى التفاصيل أكثر من الآخرين. أشياء صغيرة لا ينتبه لها أحد: نبرة تتغير، نظرة لا تكتمل، جملة تُقال لتخفي أخرى.

لكن لا أحد يسألني ماذا أفعل بكل هذا الوضوح.

في الليل، لا يأتي النوم كراحة، بل كإيقاف مؤقت للتفكير.

أجلس وحدي، وأشعر أن رأسي لا يعرف معنى التوقف. ليس لأن الأفكار كثيرة… بل لأنها مستمرة بلا انقطاع.

أحيانًا أكتب.

ليس لأن لدي رسالة، ولا لأنني أريد أن أكون كاتبًا. بل لأن ما بداخلي يحتاج أن يخرج بأي شكل، حتى لو لم يقرأه أحد.

عندما أكتب، أشعر أنني أقل ثقلًا على نفسي.

كأن الكلمات تخفف الضغط قليلًا، لكنها لا تنهيه.

وفي نهاية تلك الليالي، بدأت أفهم شيئًا صغيرًا ومزعجًا:

الصمت لم يعد هروبًا من العالم…

بل أصبح شكلًا آخر من التفكير.

وكلما ازداد الصمت حولي…

ازداد الضجيج داخلي.