شيفرة فوق السحاب
7 دقائق قراءة · 1,326 كلمة
هدير محركات الطائرة كان رتيباً، مخدراً، ولحناً مألوفاً للمسافرين، لكنه بالنسبة لزياد بدا كصوت عدّاد زمني ضخم يلتهم الثواني المتبقية من حياته. كان يجلس متجمداً في مقعده الضيق بالدرجة الاقتصادية، يده اليمنى تقبض على مقبض الحقيبة السوداء المستقرة في حجره بقوة جعلت مفاصله تبيضّ، وكأن الحقيبة ستقفز وتهرب إن أرخى قبضته قليلاً.
"السيدات والسادة، نمر الآن ببعض المطبات الهوائية الخفيفة، الرجاء البقاء في مقاعدكم."
اهتز هيكل الطائرة بعنف مفاجئ. لم يكن اهتزازاً كبيراً، لكنه كان كافياً ليجعل المعدات الغريبة داخل الحقيبة تصطدم ببعضها مصدرة صوتاً مكتوماً. قفز قلب زياد إلى حنجرته. تلفت حوله بسرعة. المضيفة في آخر الممر كانت مشغولة بتثبيت عربة الطعام، والمتسابقون الآخرون غارقون في سماعات الرأس أو النوم.
بجانبه، تحركت "نور". فتحت عينيها ببطء، رموشها ترفرف وهي تحاول طرد النعاس. نظرت إليه، ثم عقدت حاجبيها باستغراب وهي تلاحظ العرق الذي يتلألأ على صدغيه رغم برودة المكيف. "زياد؟ هل أنت بخير؟" سألت بصوت مبحوح من أثر النوم، وهي تعتدل في جلستها. "تبدو وكأنك رأيت شبحاً. هل هو دوار الجو؟"
ابتلع زياد ريقه الذي بدا مراً كالعلقم. كيف يشرح لها أن "الشبح" يقبع الآن في حجره؟ وأن الكاميرات والعدسات التي يعتمدون عليها للفوز بالمسابقة قد استُبدلت بقنبلة موقوتة من الأسرار؟ حاول رسم ابتسامة، لكنها خرجت كشظية مكسورة. "لا... مجرد... حلم مزعج. وكما تعلمين، أنا أكره المطبات الهوائية. أشعر أن الطائرة لعبة يدوية في يد طفل غاضب."
لم تقتنع نور تماماً. نظرتها الفاحصة كطبيبة بدأت تعمل. وضعت يدها بمهنية على جبهته للحظة، فتجفل زياد وكأنها لسعته بكهرباء. سحبت يدها ببطء، وعيناها تضيقان بشك. "حرارتك طبيعية، لكن نبضك في رقبتك يكاد يمزق الجلد. اسمع يا زياد، إذا كنت ستصاب بنوبة هلع، فافعل ذلك الآن وانتهِ منه. بمجرد هبوطنا في نابولي، أحتاجك بكامل تركيزك. المرحلة الأولى تعتمد على السرعة البدنية والتوثيق البصري. أنت عيني التي أرى بها في هذه المسابقة، تذكر ذلك."
"توثيق بصري..." كرر زياد الكلمة بصوت خافت، وعيناه تتجهان تلقائياً نحو الحقيبة. ليس لديه كاميرا. ليس لديه حتى هاتف ذكي (صادرته إدارة البرنامج كجزء من القوانين). هو الآن "أعمى" في مسابقة تعتمد على النظر. قبل أن يتمكن من صياغة عذر، اقترب منهما ظل طويل حجب ضوء السقف. إنه "مايك"، المصور الرئيسي للبرنامج، يحمل كاميرا ضخمة على كتفه، وعلى وجهه ابتسامة مهنية باردة.
"مرحباً أيها العاشقان!" هتف مايك بصوت عالٍ جذب انتباه بعض الركاب. "نحتاج لقطة سريعة لـ 'فواصل التشويق'. أريدكما أن تتحدثا عن حماسكما للهبوط في إيطاليا. زياد، أريدك أن تفتح حقيبتك وترينا عدستك المفضلة، وتخبر الجمهور كيف ستلتقط جمال نابولي."
تجمد الزمن. شعر زياد بالدم يهرب من أطرافه. نظر إلى عدسة الكاميرا السوداء الموجهة نحو وجهه كفوهة بندقية. "الآن؟" قال زياد بصوت مختنق. "الإضاءة هنا سيئة يا مايك، والناس نيام..."
"هذا هو جوهر 'تلفزيون الواقع' يا رجل! العفوية!" أصر مايك، مقرباً الكاميرا أكثر (Zoom in) نحو وجه زياد المتعرّق ثم انخفضت العدسة ببطء نحو الحقيبة في حجره. "هيا، افتحها. الجمهور يحب المعدات التقنية."
تدخلت نور، وهي تضع يدها على ذراع زياد بابتسامة ساحرة موجهة للكاميرا، منقذة الموقف دون أن تدري. "مايك، عزيزي،" قالت بصوت واثق وهادئ، "زياد يؤمن بخرافة قديمة تقول إن فتح حقيبة الكاميرا قبل الوصول للهدف يجلب الحظ السيء. ونحن نحتاج لكل ذرة حظ اليوم، أليس كذلك حبيبي؟" ضغطت بأظافرها بخفة على ذراع زياد لتنبيهه.
استغل زياد الفرصة كغريق يتعلق بقشة. "بالمضبط! لا أريد أن أحسد نفسي. سأريكم صوراً مذهلة عندما نصل، أعدكم." تأفف مايك قليلاً، لكنه أنزل الكاميرا. "غريب الأطوار كالعادة يا زياد. حسناً، لكن عند الهبوط، أريد لقطة لك وأنت تركض." غادر المصور للبحث عن ضحية أخرى.
أطلق زياد زفيراً طويلاً، وارتخى جسده في المقعد. التفتت إليه نور، واختفت ابتسامتها فوراً. "خرافة الحظ السيء؟ بجدية؟" همست بحدة. "ما الذي تخفيه يا زياد؟ منذ متى وأنت تتصرف بجبن أمام الكاميرا؟ هل كسرت إحدى العدسات؟" نظر زياد في عينيها العسليتين، ورأى فيهما الإصرار والذكاء. كان يود لو يخبرها الحقيقة، لو يلقي بهذا الحمل الثقيل عليها لتشاركه فيه، لكن صورة الرسالة التحذيرية "أي خطأ يعني التصفية" لمعت في ذهنه. "لا تقلقي يا نور. أعدك، سأتدبر الأمر. فقط... ثقي بي لمرة واحدة دون أسئلة."
بعد ساعة، بدأت عجلات الطائرة تلامس مدرج مطار نابولي الدولي بقوة. بمجرد توقف الطائرة، تحولت المقصورة إلى ساحة معركة. الفرق المتنافسة قفزت من مقاعدها. فريق "الأخوين الرياضيين" كانا أول من وصل للباب. فريق "المؤثرات الاجتماعيات" كانتا تعدلان المكياج بسرعة جنونية.
"هيا!" سحبت نور حقيبة الظهر الخاصة بها، ونظرت لزياد الذي كان يحمل الحقيبة السوداء بحذر مبالغ فيه، وكأنها مصنوعة من الزجاج الرقيق. خرجا من الطائرة، ولفحتهما نسمة هواء إيطالية دافئة ورطبة، تحمل رائحة القهوة المحمصة وعوادم السيارات.
عند بوابة الخروج، كان فريق الإنتاج بانتظارهم لتسليمهم "الظرف الأصفر" الأول. انتزعت نور الظرف من يد المنتج، ومزقته بسرعة بينما الكاميرات تحوم حولهما. قرأت بصوت عالٍ: "مرحباً بكم في مهد البيتزا والفوضى. وجهتكم الأولى: ساحة 'بياتزا ديل بليبيشيتو'. ابحثوا عن 'الرجل الذي يحمل الزمن'. هناك ستجدون مفتاح المرحلة التالية. ملاحظة: آخر فريق يصل سيتم إقصاؤه فوراً."
"ساحة بليبيشيتو!" صرخت نور، وبدأت تركض نحو موقف سيارات الأجرة، وزياد يلهث خلفها، الحقيبة تضرب جنبه بقسوة مع كل خطوة. كانت الفوضى في الخارج عارمة. سائقو التاكسي يصرخون بالإيطالية، سياح، ومتسابقون يتشاجرون على السيارات. نجحت نور بمهارة في حجز سيارة تاكسي قديمة من طراز "فيات"، ودفعت زياد إلى المقعد الخلفي وقفزت بجانبه. "بياتزا ديل بليبيشيتو! بريستو! (بسرعة!)" صرخت للسائق.
انطلقت السيارة بسرعة جنونية في شوارع نابولي الضيقة والمرصوفة بالحجارة. بينما كانت نور تراجع الخريطة الورقية وتتمتم بحسابات المسافة والوقت، كان زياد ينظر من النافذة الخلفية. كان يشعر بشعور غريب، نغزة في مؤخرة رقبته تخبره أنه مراقب. ليست كاميرات البرنامج التي تتبعهم في سيارة "فان" خلفهم، بل شيء آخر.
وسط زحام الدراجات النارية (الفيسبا) التي تملأ شوارع نابولي كالذباب المزعج، لاحظ زياد دراجة نارية سوداء بالكامل. السائق يرتدي خوذة سوداء معتمة، وسترة جلدية لا تحمل أي علامات مميزة. كانت الدراجة تناور ببراعة بين السيارات، لكنها تحافظ على مسافة ثابتة خلف سيارة التاكسي التي يقلانها. تنعطف التاكسي يميناً، تنعطف الدراجة يميناً. تسرع التاكسي، تسرع الدراجة.
اهتزت الحقيبة في حضن زياد مرة أخرى. ببطء، ودون أن يلفت انتباه نور المنشغلة بالخريطة، أدخل يده في الجيب الجانبي للحقيبة حيث دسّ الجهاز اللوحي الصغير (الذي يشبه الهاتف). سحبه قليلاً ليرى الشاشة. رسالة جديدة: "لا تذهب إلى الساحة. إنه فخ من الشرطة. غيّر المسار فوراً. انزل عند مقهى 'جامبرينوس'. اترك الحقيبة تحت الطاولة رقم 4 في الشرفة الخارجية. سيارة سوداء ستأخذكم من هناك."
اتسعت عينا زياد رعباً. التعليمات تتناقض تماماً مع اللعبة! إذا لم يذهبا للساحة، سيخسران السباق ويُطردان من البرنامج، وسيخسر الـ 5 ملايين دولار، وستقتله نور (مجازياً). وإذا ذهبا للساحة، يقول هؤلاء المجرمون إنه "فخ شرطة"، مما يعني السجن، أو ربما القتل على يد العصابة لعدم تنفيذ الأوامر.
"نور..." قال زياد بصوت مرتعش. "ماذا الآن؟ نحن قريبون جداً، أرى قبة الكنيسة!" قالت نور بحماس وهي تشير للأمام. "يجب أن نغير الوجهة،" قال زياد بجدية مفاجئة. استدارت نور لتنظر إليه وكأنه فقد عقله. "ماذا تقول؟ الظرف يقول الساحة! هل جننت؟" "نور، ثقي بي. لدي... لدي حدس قوي جداً. طريق الساحة مسدود... قرأت ذلك في... في دليل سياحي قبل أن آتي!" كذب زياد بتخبط. "مقهى جامبرينوس أقرب، وربما يكون 'الرجل الذي يحمل الزمن' هناك! إنه مكان تاريخي!"
"أنت تهذي!" صرخت نور. "لن نغير المسار بناءً على حدس غبي! السائق، أكمل طريقك!" نظرت السيارة "الفان" التابعة للتصوير بجانبهم، والمخرج يلوح لهم بحماس لتشجيعهم على السرعة. نظر زياد للخلف مرة أخرى. الدراجة النارية السوداء اقتربت أكثر. رأى السائق يمد يده إلى جيب سترته الداخلية. هل يخرج سلاحاً؟
كان على زياد اتخاذ قرار في جزء من الثانية. هل يضحي بالفوز في المرحلة الأولى لإنقاذ حياتهم؟ أم يخاطر بكل شيء؟ نظر إلى الجهاز اللوحي، ثم إلى نور، ثم إلى الدراجة خلفهم. بيد مرتجفة، أمسك زياد بمقود السائق من الخلف وصرخ بالإيطالية الركيكة التي يعرفها: "فيرما! فيرما كوي! (توقف هنا!)"
انحرفت السيارة بعنف وتوقفت بصوت احتكاك إطارات مرعب على بعد شارعين فقط من الساحة، مما أثار غضب السائق ودهشة نور الصادمة. "زياد! ما الذي تفعله بحق السماء؟!" صرخت نور وهي تدفعه. فتح زياد الباب وسحب حقيبته، ثم أمسك يد نور وجرّها خارج السيارة بالقوة. "اركضي! فقط اركضي معي!"
في اللحظة التي غادرا فيها التاكسي، مرت الدراجة النارية السوداء بجانبهم بسرعة البرق، وسمع زياد صوتاً خافتاً ولكنه مميز.. تشك. صوت كاتم صوت؟ أم مجرد حصاة ضربت المعدن؟ لم ينتظر ليعرف. جرّ نور المذهولة ودخلا في زقاق ضيق مظلم، بعيداً عن الكاميرات، وبعيداً عن مسار السباق، وعمقاً في المجهول.
في يده، اهتز الجهاز اللوحي مرة أخيرة: "خيار حكيم. لديك 5 دقائق."