خارج النصبقلم AL7R فصل 1

عقدٌ تحت الأضواء

8 دقائق قراءة · 1,546 كلمة

كانت الأضواء الكاشفة في قاعة الانتظار الفاخرة بفندق "رويال ميريديان" أكثر سطوعًا من شمس الظهيرة، صممت خصيصًا لتجعل العرق يتلألأ كأنه ندى الصباح على وجوه المتسابقين، ولتكشف أدق تفاصيل القلق المختبئ في حدقات عيونهم. في هذا العالم المصطنع، لا مكان للظلال؛ كل شيء يجب أن يكون مكشوفًا، براقًا، وصالحًا للاستهلاك الجماهيري الفوري.

وقف "زياد" أمام المرآة الطويلة في الممر المؤدي إلى القاعة الرئيسية، يعدّل ياقة قميصه الكحلي للمرة العاشرة. لم يكن القميص مريحًا، ولم تكن هذه الحياة تشبهه. هو مصور فوتوغرافي اعتاد أن يكون خلف العدسة، صيادًا للحظات العفوية في الأزقة المنسية والوجوه المتعبة، وليس هدفًا لعدسات تلفزيونية نهمة تبحث عن الدراما في كل حركة وسكنة. تنهد بعمق، محاولًا طرد التوتر الذي يتكور في معدته، نظر إلى انعكاس وجهه؛ لحيته الخفيفة التي لم يهذبها بعناية مبالغ فيها، وشعره الأسود الذي يرفض الانصياع للمشط، وعيناه اللتان تحملان سخرية دفينة من كل ما يجري حوله.

"هل انتهيت من تأمل نفسك؟ البث المباشر سيبدأ خلال خمس دقائق."

جاء الصوت من خلفه، حادًا، دقيقًا، ومفعمًا بنفاد صبر لا تخطئه الأذن. استدار زياد ليواجه "نور". كانت تقف هناك، وفي يدها ورقة مطوية بعناية فائقة، ترتدي سترة رياضية رمادية أنيقة وعملية، وشعرها مجموع في ذيل حصان مشدود بقوة، كأنه يعكس انضباط حياتها بالكامل. نور، الطبيبة التي دخلت هذا السباق المجنون لأسباب لا يزال يجهلها، كانت النقيض التام لفوضويته.

ابتسم زياد ابتسامة جانبية، تلك الابتسامة التي يعرف أنها تستفز جديتها المفرطة. "أحاول فقط أن أبدو لائقًا كـ 'حبيب' لطبيبة مرموقة، يا دكتورة. أليس هذا ما ينص عليه العقد؟"

اقتربت منه نور خطوة واحدة، وخفضت صوتها ليصبح همسًا حادًا، وعيناها تمسحان الممر للتأكد من عدم وجود ميكروفونات قريبة. "اسمع يا زياد، نحن لسنا هنا لنستمتع. نحن هنا لنفوز. الخمسة ملايين دولار ليست لعبة بالنسبة لي، وأتمنى أن تكون كذلك بالنسبة لك. تذكر الاتفاق: أمام الكاميرات، نحن 'الثنائي الذهبي'، قصة الحب التي ينتظرها الجمهور. خلف الكواليس، التزم بالصمت ولا تعترض طريقي."

"رومانسية كعادتك،" رد زياد ببرود، وهو يلتقط حقيبة معداته الثقيلة التي كانت مستقرة عند قدميه. كانت حقيبة سوداء من طراز عسكري، رفيقته في كل رحلاته، تحتوي على عدساته وكاميراته التي تساوي ثروة صغيرة، وهي الشيء الوحيد الحقيقي الذي يملكه في هذا المكان. "لا تقلقي، سأؤدي دوري ببراعة تجعل شكسبير يصفق من قبره. لكن، حاولي أن تبتسمي قليلًا، فالجمهور لا يصوت للتماثيل الجليدية."

قبل أن تتمكن نور من الرد بعبارة لاذعة، فُتحت الأبواب المزدوجة واندفع صوت المخرج عبر مكبرات الصوت: "المتسابقون، إلى أماكنكم! دقيقة واحدة على الهواء!"

دلف الاثنان إلى القاعة الضخمة التي تحولت إلى مسرح عمليات إعلامي. عشرات الكاميرات المعلقة على رافعات تتحرك كأذرع أخطبوط معدني، وشاشات عملاقة تعرض شعار البرنامج: "سباق القارات". كان هناك اثنا عشر فريقًا آخر، كل فريق يتكون من شخصين، يقفون في دوائر ضوئية مخصصة لهم. رأى زياد نظرات المنافسين؛ مزيج من الحماس المفتعل والخوف الحقيقي. هناك الرياضيون، والمؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي، ونماذج من البشر اختيرت بعناية لتغطي كافة الأطياف النفسية التي تضمن إثارة الجدل.

وقف زياد ونور في دائرتهما. وما إن أضاء الضوء الأحمر فوق الكاميرا الرئيسية المواجهة لهما، حتى حدث التحول. اختفى التوتر من وجه نور، ورسمت ابتسامة مشرقة، دافئة، ومتقنة لدرجة جعلت زياد يشك للحظة في أنها نفس المرأة التي كانت توبخه قبل ثوانٍ. وضع يده بتلقائية مدروسة على كتفها، فمالت برأسها نحوه قليلاً.

انطلق صوت المذيع الشهير "كريم العاصي" بصوته الرخيم الذي يملأ الصالة والحناجر: "مساء المغامرة، مساء التحدي! الملايين يتابعوننا الآن من كل أنحاء العالم. أربعة عشر فريقًا، خمس قارات، وجائزة واحدة ستغير الحياة. القواعد بسيطة: لا هواتف ذكية، لا أموال نقدية، فقط ذكاؤكم، وسرعتكم، وقدرتكم على التحمل. الفريق الذي يصل أخيرًا في كل مرحلة... يغادرنا فورًا."

صمت المذيع لحظة لزيادة التشويق، ثم أشار بيده نحو شاشة عملاقة خلفه بدأت تعرض خريطة العالم. "وجهتكم الأولى لن تكون سهلة. إنها مدينة التناقضات، مدينة البحر والبراكين... نابولي، إيطاليا!"

علا صياح الجمهور المختار بعناية في القاعة، بينما تبادل زياد ونور نظرة سريعة. نابولي. مدينة الفوضى الجميلة. همس زياد وهو يلوح للكاميرا بيده الحرة: "نابولي... ملعبي المفضل." همست نور من بين شفتيها المبتسمتين: "فقط لا تضيعنا في أزقتها يا زياد. الطائرة تقلع بعد ثلاث ساعات. هذا هو الاختبار الأول: الوصول إلى المطار وتسجيل الدخول قبل إغلاق البوابة."

أطلق المذيع صافرة البداية، وتحولت القاعة الهادئة فجأة إلى خلية نحل هائجة. ركض المتسابقون تجاه الأبواب للخروج إلى السيارات التي تنتظرهم. كان التدافع جنونيًا. حقائب تُجر بعنف، أكتاف تتصادم، وصيحات تحذيرية.

في خضم هذا الطوفان البشري، كان زياد متمسكًا بحقيبته السوداء بيده اليمنى، ويمسك معصم نور بيده اليسرى ليشق طريقهما وسط الزحام. "إلى اليسار!" صرخ بها ليتفادى فريقًا من لاعبي كمال الأجسام كاد أن يدهسهما.

خرجوا إلى الهواء البارد أمام الفندق، حيث اصطفت سيارات الأجرة السوداء. قفز زياد ونور إلى أول سيارة متاحة. "إلى المطار الدولي، بسرعة!" صاحت نور بالسائق، وهي تنظر إلى ساعتها وتضغط على زر التوقيت.

داخل السيارة، ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى صوت أنفاسهم المتلاحقة. أخرجت نور دفترًا صغيرًا وبدأت تراجع استراتيجيات التحرك في المطارات التي حفظتها عن ظهر قلب. "بمجرد وصولنا، أنت تتولى أمر الحقائب في جهاز المسح الأمني، وأنا سأركض إلى كاونتر التذاكر لتأمين المقاعد الأمامية لنتمكن من الخروج أولاً عند الهبوط،" قالت نور وهي تخطط كأنها جنرال في معركة.

نظر إليها زياد، متأملًا دقتها. كان يعلم أن هذا التنظيم المفرط يخفي وراءه قلقًا هائلاً من فقدان السيطرة. "حاضر يا جنرال. لكن استرخي قليلًا، التوتر يحرق السعرات الحرارية التي سنحتاجها لاحقًا."

وصلت السيارة إلى المطار. كانت صالة المغادرة مكتظة بمسافرين عاديين، وطواقم تصوير، ومشجعين عرفوا بمكان الانطلاق وتجمهروا لرؤية الحدث. كانت الفوضى عارمة. "تحرك!" صرخت نور، وانطلقا يركضان نحو المدخل.

في تلك اللحظة، عند المدخل الدوار المزدحم، حدث الأمر. توقف شخص غريب فجأة أمام زياد ليربط حذاءه، مما أجبر زياد على التوقف المفاجئ لتجنب الاصطدام به. وبسبب الزخم، اصطدم بكتف رجل آخر كان يسير بسرعة في الاتجاه المعاكس خارجًا من المطار. كان الرجل الآخر يرتدي معطفًا رماديًا طويلًا ونظارات شمسية رغم غياب الشمس، ويحمل حقيبة سوداء... مطابقة تمامًا لحقيبة زياد.

"عذرًا!" تمتم زياد بالإنجليزية بسرعة دون أن ينظر لوجه الرجل، فتركيزه كله كان منصبًا على اللحاق بنور التي سبفته بخطوات. الرجل ذو المعطف الرمادي لم يرد، بل واصل سيره بثبات وسرعة مريبة، واختفى في زحام الرصيف الخارجي. في تلك اللحظة المشوشة، سقطت حقيبة زياد وحقيبة الرجل على الأرض للحظة. وبحركة لاواية سريعة وسط التدافع، التقط زياد الحقيبة الأقرب ليده، وتابع الركض خلف نور.

"تأخرت!" وبختْه نور عندما وصل إليها عند طابور التفتيش الأمني. "عقبة صغيرة، لا تقلقي،" قال زياد وهو يلهث، واضعًا الحقيبة السوداء على الحزام المتحرك لجهاز الأشعة السينية (X-ray). مرت الحقيبة عبر الجهاز. راقب زياد الشاشة من زاوية عينه بملل، متوقعًا أن يرى أشكال عدساته الكروية المعتادة وجسم الكاميرا. لكن موظف الأمن قطب حاجبيه فجأة، وأوقف الحزام.

شعر زياد بنغزة خفيفة في قلبه. "هل هناك مشكلة؟" نظر الموظف إلى زياد، ثم إلى الشاشة مرة أخرى، وبدا عليه الارتباك أكثر من الشك. "سيدي، هل تحمل أي أجهزة إلكترونية غير معتادة؟ بطاريات ليثيوم كبيرة الحجم؟" "فقط معدات تصوير،" أجاب زياد بثقة. "كاميرات، عدسات، وفلاشات." هز الموظف رأسه وكأنه لم يقتنع تمامًا بما يراه، لكن الطابور الطويل خلفهم وضغط الكاميرات التي تصور الحدث جعله يمرر الحقيبة. "حسنًا، تفضل. رحلة سعيدة."

التقط زياد الحقيبة. كانت أثقل قليلًا مما يذكر، أو ربما هو التعب؟ لم يكترث. ركض مع نور نحو بوابة الصعود.

على متن الطائرة، وبعد أن استقرا في مقاعدهما، وتنفسّا الصعداء، انطفأت إشارة "ربط الأحزمة". كانت الطائرة تعج بالفرق الأخرى وطاقم الإنتاج. أغلقت نور عينيها لتستريح قليلًا، بينما شعر زياد برغبة ملحة في تفقد معداته. كان قلقًا من أن يكون الاصطدام قد أضر بعدسته المفضلة (85mm) التي يعتبرها عينه الثالثة.

سحب الحقيبة من تحت المقعد أمامه ووضعها في حجره. فتح السحاب ببطء حتى لا يزعج نور. مد يده إلى الداخل ليتحسس ملمس الكاميرا البارد والمألوف... لكن يده لمست شيئًا آخر. شيء معدني، أملس، وبارد جدًا، لكنه ليس أسطوانيًا كعدسة، ولا مربعًا كجسم الكاميرا. عقد زياد حاجبيه. وسع فتحة الحقيبة قليلًا، ونظر إلى الداخل مستغلًا ضوء القراءة الخافت.

تجمدت الدماء في عروقه. لم تكن هناك كاميرا. لم تكن هناك عدسات. بدلاً من ذلك، كانت الحقيبة مبطنة برغوة سوداء كثيفة، تحتضن جهازًا لوحيًا من طراز عسكري سميك، وبجانبه، جهاز غريب الشكل بحجم كف اليد، يشبه قرصًا صلبًا لكنه مزود بشاشة رقمية صغيرة تومض بضوء أحمر خافت جدًا، ومجموعة من الأوراق الرسمية المختومة بختم نسر ذهبي لم يره من قبل.

"ما هذا بحق الجحيم؟" همس زياد لنفسه، وشعر بقطرات عرق بارد تتجمع على جبينه. هذه ليست حقيبته. أغلق الحقيبة بسرعة، وتلفت حوله بذعر. هل رآه أحد؟ طاقم التصوير في مقدمة الطائرة يصورون فريقًا آخر. نور لا تزال مغمضة العينين.

أعاد فتح الحقيبة بفتحة ضيقة جدًا وسحب الجهاز اللوحي بحذر. ضغط على زر التشغيل الجانبي. أضاءت الشاشة فورًا، ولكن ليس بشعار شركة تكنولوجيا معروفة. ظهرت شاشة سوداء عليها مؤقت تنازلي باللون الأحمر القاني. 72:00:00 وتحته عبارة واحدة باللغة الإنجليزية، مكتوبة بخط عريض: "العملية: الصمت الأبدي. تم تفعيل البروتوكول. التسليم في نابولي. أي خطأ يعني التصفية."

ابتلع زياد ريقه بصعوبة. التفت لينظر من نافذة الطائرة، فرأى أضواء المدينة تبتعد في الأسفل بينما الطائرة تشق طريقها نحو السماء المظلمة. شعر باهتزاز في الجهاز اللوحي بين يديه. رسالة جديدة ظهرت على الشاشة: "نحن نراك يا سيد زياد. لديك شيء يخصنا. استمتع برحلتك، ستكون الأخيرة إذا لم تتبع التعليمات."

رفع زياد رأسه ببطء، ونظر حوله في مقصورة الطائرة. الوجوه ضاحكة، المتسابقون يتبادلون النكات، المضيفات يوزعن المشروبات. لكنه الآن، في هذه اللحظة، شعر بأنه انفصل عن هذا الواقع تمامًا. لقد تحول من متسابق في برنامج ترفيهي، إلى لاعب في لعبة لا يعرف قوانينها، وجائزتها ليست المال، بل حياته.

نظر إلى نور النائمة بسلام بجانبه، وفكر: لو أخبرتها الآن، ستصرخ، وستتوقف اللعبة، وسنموت. أغلق الجهاز اللوحي، وأعاد سحاب الحقيبة ببطء شديد. عاد بظهره إلى المقعد، ورسم على وجهه ابتسامة شاحبة ومرتجفة للكاميرا التي مرت بجانبه للتو. لقد بدأ العرض الحقيقي الآن، ولم يكن هناك نص ليقرأ منه.