ميراث ا لألم
3 دقائق قراءة · 534 كلمة
قطرات دماء قانية تغلغلت داخل شقوق الخشب العتيق، يرافقها صوت أنين مكتوم وتنفس يصارع الظلمة. وسط هذا السكون الموحش، وقف رجل يقبض على سوطه الذي يقطر دماً، وأمامه على الأرض، طفلة لم تتجاوز العاشرة، جسدها الضئيل يرتجف من الألم والخوف.
"أبي.. أرجوك.. توقف.. أعدك أنني لن أكررها، سأفعل كل ما تطلبه، سامحني هذه المرة فقط."
رد "أليكس" بصوت بارد كالفولاذ: "لن أتوقف حتى تتعلمي كيف تطيعين أختكِ باحترام، أنتِ لستِ سوى عار، ولا تستحقين حتى لقب أختها."
قطعت الخادمة هذا المشهد القاسي قائلة: "سيدي، السيدة آنيا تنتظر عند العربة، يجب أن نرحل الآن."
ألقى أليكس سوطه باحتقار وقال: "سأترككِ الآن.. نظفي هذا القرف فوراً، ثم اذهبي للمنزل الرئيسي لمساعدة الخدم في التنظيف."
رحل دون التفاتة واحدة، تاركاً خلفه طفلة ولدت من دمه لكنه لم يمنحها يوماً ذرة من حبه. نهضت سونيا بصعوبة، مسحت دماءها عن الأرض بقلب محطم، واتجهت نحو البئر القديم خلف المستودع. سحبت الدلو وسكبت الماء البارد على جروحها؛ كان الماء يلسع جلدها كسكاكين حادة، لكنه كان أهون من طعنات كلمات والدها.
جلست تحت أشعة الشمس تجفف ثيابها الوحيدة، تاركة نسمات الهواء تداعب خصلات شعرها البلاتيني. راقبت الطيور وهي تحلق بحرية، وسقطت دمعة وحيدة غسلت بعض أوجاعها. رغم أنها ابنة رئيس عائلة "كوسوموجي" النبيلة، إلا أن عزاءها الوحيد كان صديقتها الخادمة في منزل "عشيرة الوراشي". أسرار خلف الجدران العتيقة
كان القصر الكبير لعائلة "الوراشي" يضج بالحركة، لكن في الممرات الخلفية المخصصة للخدم، كان يسود صمت مريب. تسللت "سونيا" بجسدها المنهك من ضربات سوط والدها، تبحث عن ريبكا. كانت ريبكا وعائلتها هم النبض الوحيد الذي يشعر سونيا بآدميتها في هذا المنزل المتكبر.
وجدت سونيا صديقتها ريبكا في زاوية معتمة من المطبخ القديم، كانت ريبكا ترتجف، تمسك بصرّة قماشية صغيرة بشدة.
"ريبكا؟ ما بكِ؟ لماذا وجدتكِ هنا؟" همست سونيا بخوف.
التفتت ريبكا، وكان وجهها شاحباً كالموت. "سونيا.. لقد فعلوا ذلك. والدي اكتشف وثائق في مكتب السيد 'الوراشي' تثبت تورطهم في مؤامرة كبرى.. وبدلاً من الاستماع إليه، اتهموه بالخيانة العظمى وسرقة أختام العائلة. الحراس يحيطون بمنزلنا الصغير الآن!"
قبل أن تجيب سونيا، دوت صرخات في الساحة الخارجية. كان صوت قائد الحرس يجلجل: "بأمر من عائلة الوراشي، يُقبض على عائلة الخادم 'توماس' بتهمة إفشاء أسرار الدولة والسرقة!"
اللحظة الحاسمة: الوصية الأخيرة
أمسكت ريبكا بكتفي سونيا بقوة، كأنها تحاول غرس الكلمات في روحها. "اسمعيني جيداً يا سونيا، ليس لدي وقت. أختي الصغيرة 'إيلين'.. لم يروها بعد. لقد خبأتها أمي في السرداب السري تحت أرضية كوخنا القديم خلف الغابة.. لا أحد يعرف بوجودها، والدي لم يسجل اسمها في سجلات الخدم خوفاً عليها."
نزلت دموع ريبكا وهي تسمع صوت تحطم الأبواب القريب. "سونيا، أنتِ الوحيدة التي أثق بها. عائلتي ستُعدم اليوم ليخرسوا ألسنتنا، لكن إيلين يجب أن تعيش. إنها تحمل 'مفتاحاً' أخفاه والدي معها.. مفتاح سيحطم عائلة الوراشي يوماً ما."
"لكنني ضعيفة يا ريبكا.. أنا مجرد خادمة منبوذة!" بكت سونيا بحرقة.
ابتسمت ريبكا رغم الرعب، ومسحت دموع سونيا بابهامها. "أنتِ ابنة 'كوسوموجي'، وفي عروقكِ قوة لا تدركينها بعد. كوني قوية لأجلي.. ولأجل الصغيرة."
لحظة الاعتقال
في تلك اللحظة، اقتحم الجنود المكان. سحبوا ريبكا بعنف من شعرها. صرخت سونيا وحاولت التشبث بها، لكن جندياً ركلها في بطنها لتسقط أرضاً، معيداً فتح جروح سوط والدها.
"تذكري.. السرداب خلف الغابة!" كانت هذه آخر كلمات ريبكا وهي تُسحل بعيداً نحو ساحة الإعدام، بينما وقفت سونيا تراقبها بقلب يتمزق، مدركة أن حياتها الهادئة (رغم بؤسها) قد انتهت، وأنها الآن حارسة لأخطر سر في المملكة.