أثر لا يرحل
دقيقتان قراءة · 294 كلمة
مرّت سنوات منذ ذلك اللقاء الصامت…
اللحظة التي التقت فيها عينا آدم بعيني أروى بعد كل تلك الأعوام، دون كلمة، دون تفسير… لكن بإحساسٍ بقي عالقًا في الذاكرة.
منذ ذلك اليوم، عاد آدم إلى حياته كما يعرفها.
زوج، أب، ومسؤول عن تفاصيل يومية لا تنتهي.
كان يبتسم، يعمل، ويقضي وقته مع أطفاله… كأن كل شيء في مكانه.
لكن في داخله، بقي أثر تلك النظرة.
لم تكن مجرد ذكرى عابرة، بل شعورًا قديمًا يعود أحيانًا دون استئذان… كصوت بعيد يصعب تجاهله.
في مساءٍ ساكن، بعد يومٍ طويل، جلس آدم في غرفته وحده.
فتح درجًا قديمًا، وأخرج منه أوراقًا كتبها في شبابه…
كلمات ناقصة، وأفكار مؤجلة، وأسماء كان يتردد في كتابتها بوضوح.
ابتسم بخفوت، وهو يمرّ بعينيه فوق إحدى الصفحات… كأنه يقرأ نفسه القديمة.
رفع رأسه نحو النافذة، حيث تسلّل ضوء القمر بهدوء إلى الغرفة.
ساد الصمت… لكنه لم يكن فارغًا، بل ممتلئًا بذكريات بعيدة.
أخذ نفسًا عميقًا، وأغمض عينيه.
لم يكن يفكر بشيء محدد…
ترك نفسه لذلك الشعور الغامض الذي يرافق بعض الذكريات حين تعود دون موعد.
شيء بين الراحة والحنين، بين ما مضى وما بقي أثره… كأن القلب يحتفظ ببعض الأشياء مهما مرّ الزمن.
وفجأة…
وجد نفسه في مكانٍ مألوف… لكنه مختلف.
الشارع ذاته، والتفاصيل ذاتها…
لكن كل شيء بدا أكثر هدوءًا، كأن العالم ابتعد قليلًا، وتركه وحده مع أفكاره.
تقدّم خطوة… ثم أخرى.
حتى رآها.
أروى.
كما تذكّرها تمامًا.
توقّف للحظة، وشعر بأن الزمن عاد به سنوات إلى الخلف…
لكن دون ارتباك، ودون أسئلة.
فقط ذلك الهدوء الغريب الذي يرافق الذكريات القديمة حين تظهر فجأة.
اقتربت بخطوات هادئة، والتقت أعينهما.
لم يتحدثا…
فبعض اللحظات لا تحتاج إلى كلام.
كل ما بقي من الماضي كان حاضرًا في تلك النظرة الصامتة.
أغمض عينيه للحظة…
ثم ترك لذلك المشهد أن يمرّ بهدوء، كأنه ذكرى عادت لتذكّره فقط بأن بعض الأشياء لا تختفي تمامًا مهما ابتعدت السنوات.