نداء الندبة والرحلة المجهولة.
دقيقتان قراءة · 252 كلمة
في ليلة شتوية قاسية، حيث كانت الرياح تعوي بين جدران الملجأ القديم، ولدت كيت حاملةً معها لغزاً لم يجرؤ أحد على تفسيره. كانت طفلة هادئة بشكل غريب، لكن ما ميزها حقاً هو تلك الندبة الصغيرة التي تتوسط جبهتها، علامة دقيقة تشبه رسمة برق مصغر أو رمزاً من لغة بائدة. كبرت كيت بين أروقة الملجأ الباردة كطفلة يتيمة، تقضي أيامها في مراقبة الأشجار من خلف النوافذ، تشعر بداخلها بنداء غامض يسحبها نحو الأفق الأخضر البعيد، وكأن دمها يحمل إيقاعاً لا ينتمي لضجيج المدن.
عندما بلغت كيت الثالثة عشرة، نظمت إدارة الملجأ رحلة استكشافية للأطفال إلى الغابة العميقة المحيطة بالمنطقة. كانت كيت تمشي وسط زملائها، لكنها لم تكن معهم بروحها؛ فمنذ أن وطأت قدماها تربة الغابة الرطبة، بدأت تلك الندبة في جبهتها تنبض بحرارة مفاجئة. كانت الطبيعة من حولها تتفاعل مع وجودها بطريقة مذهلة؛ فكلما اقتربت كيت من شجرة ضخمة أو مست جذعاً مغطى بالطحالب، كانت الندبة تضيء بنور أزرق خافت، وبالمقابل، كانت أوراق الشجر تهتز وتتوهج عروقها بذات اللون، وكأن الغابة ترحب بعودة ابنة مفقودة.
اندهشت كيت من هذا التواصل السحري، فبدأت تبتعد شيئاً فشيئاً عن ضجيج أطفال الملجا، تتبع الضوء الذي ينبعث من جبهتها كلما اقتربت من سر جديد في الطبيعة. كانت الصخور تلمع تحت قدميها، والزهور البرية تتفتح في غير أوانها بمجرد مرورها بجانبها. شعرت كيت لأول مرة في حياتها بالقوة، وبالانتماء لمكان لم تره من قبل. توغلت عميقاً بين الأشجار المتشابكة، مسحورة بجمال هذا العالم الذي يضيء لها وحده، غير مدركة أنها في كل خطوة كانت تبتعد عن عالم البشر، وتغوص في قلب قدرها الغامض الذي ينتظرها خلف الضباب الكثيف.