إجري !!بقلم MK–H فصل 2

الخطوة الاولى2/4

21 دقيقة قراءة · 4,168 كلمة

ألقى 'إباء' برأسه على الطاولة متنهّدا للمرة الثانية ثم إنكبّ على خدّه الأيسر ليقابل رأسه النافذة التي تبعد عنه ما يقارب العشرين إنشا و ما هي ثوان حتى لمح احدهم من الخارج مارّا قرب الشبّاك ... لكنه لم يكن أيّ شخص ...

إنه نفسه الذي شغل تفكيره قبل لحظات .

في لمح البصر إستقام إباء في جلسته و لم يكن منه سوى ان فتح فاه لينادي بصوت عال نسبيّا ..

« 'طــــه' ! »

نظرا للضجة التي بالقاعة فتقريبا لم يلاحظ أحد نداءه ، و لكن الفتى المعني و الذي كان قد تجاوز إطار النافذة إستطاع تمييز ذاك النداء ليعود أدراجه للخلف مطلّا من بعيد لما وراء نافذة القاعة ..،

ليلمح رفيقه في الداخل

شقّت الإبتسامه ثغر بطلنا الذي أمضى بضع دقائق يجوب كالمعتوه بين القاعات و يختلس من خلال نوافذها عسى ان يرى إباء كونه الفتى الوحيد الذي يعرفه بالفصل ، و لكن بدل أن يعثر هو عليه حصل العكس .

إقترب طه من النافذة و إنحى قليلا ليستند عليها بإحدى يديه بينما رفع كفّه الٱخر ملوّحا به بشكل طفولي و إبتسامة واسعة

« بــي ~ ..كنت أبحث عنك ~ »

همس بذلك بينما ما تزال يده عالقة على وضع التلويح ..

أمّا إباء فإبتسم هو الٱخر و إنحى قليلا كي لا يلفت إنتباه الٱخرين بينما يهمس له ..

« أفسدتَ المتعة ، ظننتني سأرتاح من ثرثرتك ليوم ٱخر »

« عزيزي ~ لم يهن علي تركك كالبومة ليومين على التوالي ~ ... لكن يبدو أنّ بوصلتي تعطلت و أنا في طريقي إليك »

« تهانيا ، لم أعلم أن لذهنك بوصلة أساسا ..»

تسربت لكليهما ضحكة خفيفة ، من ثم أومئ إباء نحو الباب

هامسا « هيّا فالتدخل .»

هنا تراجع طه قليلا و إستقام فاردا يديه و مردفا بنبرة هزليّة

« ناااه ~ ... أعجبني المكان هنا بالخارج ~ ..»

ثمّ راح يحرك ذراعيه بشكل مموّج منهيا

« بِضع دقائق إضافيّة بالخارج لن تضر ~ ...

...

الأمر أشبه بزيارة سجين من خلف القضبان ~ »

« هاا ؟ سجين إذا ؟ » همس بذلك و قد إستنبط مقصد الٱخر بتلك الدعابة .

« نعم ~ .... و إحزر أيّنا هو ذاك السجين ~ ? »

نطقها بطرافة و ما يزال على وضعه ، أمّا عن إباء فقط همهم بهدوء قبل أن يردّ عليه

« ما رأيك أن ألحِقك على ذاك السجين إذا ؟ »

« لا ~ ... لن أهون عليك ~ ..

لكن اود رأيتك تحـ . . . »

كان إباء يناظره بملل و إبتسامة جانبية و ما كاد الٱخر ينهي جملته حتى إستقام إباء في جلسته و حوّل نظره لمنضدة الأستاذة لينادي بصوت كان عال بما فيه الكفاية ليجذب إنتباهها عن هاتفها و يخرس الوشوشات التي حوله ..

« آنسة .. »ثم أشار بإبهامه بإتجاه النافذة دون النظر إليها منهيا .

« هنالك من يودّ أخذ إذنك بشأن أمر ما . .. »

و لم تكن الأستاذة قد فهمت مقصده من ذلك فإستفسرته ؛ « ماذا ؟ »

أمّا عن ضحيّة ذاك الموقف فقد أخذ أجزاء من الثانية يستوعب فيها فعلة رفيقه فناظره بملامح مبهمة كما لو أنه يقول في فكره " هل أنت جاد !؟ " .

ثم سارع بالركض بإتجاه باب القاعة ...

في الداخل كانت مجرّد لحظات قصيرة من الصمت قد مرّت قبل أن يسمع طرق الباب الذي جذب نظرات الأستاذة عن إباء .

أنزل المقبض بهدوء ليطلّ بطلنا من خلف الباب بإبتسامة هادئة حاظنا حقيبته أمامه ، أومئ بهدوء قبل أن يردف ..

« سلام ، هل يمكنني الدخول ؟ »

قالها و قد تعمّد إظهار بطاقة الدخول في يده ليعلم الأستاذة بشكل غير مباشر أنه أحد أعضاء الفصل و انّ معه تصريحا للدخول ، و هي بدورها لم توجّه له أيّ سؤال و أشارت له بهدوء « تفضّل ».

عندما ولج كان أوّل ما فعله هو تسليم البطاقة للأستاذة من بعدها إستدار موجّها نظره مباشرة تجاه إباء الجالس في ٱخر الصف و قد إنقلبت إبتسامته العفويّة إلى نظرات إنعدام رضا ، أمّا عن إباء فقط شبك يديه و إستند بمرفقيه على الطاولة راسما على ثغره إبتسامة نصر ...

سار طه بخطوات مترنّحة و بطيئة بين صفّي الطاولات من جهة اليمين ... نفس الجانب الذي كان إباء جالس به .. دون ان يشيح أنظاره عنه ..

كان إباء يفترض أن الٱخر في طريقه للجلوس بجانبه و لكن بطلنا تجاوز طاولته دون ان يزيح اعينه ، و ما تحمله من نظرات ضيق طفولي ، عنه و تقدّم نحو الطاولة الأخيرة الفارغة من الصف الأوسط و التي كانت مقابلة إلى حد ما لطاولة إباء و وقف بإستقامة ليسحب الكرسي و يلقي بحقيبته الفاحمة على الطاولة ثم جلس في حركة آلية ..و كلّ ذلك و أعينه ما تزال مثبّتة على الٱخر ...

بعد ان جلس طه أخيرا ..، لفّ رأسه بإتجاه الأمام لتتبدّل ملامحه بالكامل و تتهلّل اساريره و هو يمدّ يده نحو الفتى الجالس بالطاولة التي امامه و يلقي عليه التحية و الٱخر بدوره بادله عبارات الترحيب لنعرف من ذلك أنهما على معرفة ببعضهما .. و انّه أصلا تعمّد ذلك لإغاضة احدهم ...

و على ما يبدو فقد نجح ~ ...

قطب إباء حاجبيه دون أن يزيل إبتسامته و هو يردف في فِكره ...

~ يتجاهلني ؟ ... ~

حوّل اعينه للامام بهدوء ... ليس كما لو انّه يفكّر في ردّها له ... لا ابدا ~

عدا أنه فتح فاه ليردف بصوت عال ..

« معذرة ~ ..آنسة »

كانت نبرته العالية تجذب إهتمام الاستاذة في كل مرة دون أن يضطرّ لتكرار نداءه .. إكتفت بالنظر إليه بينما انهى هو بنبرته المحايدة ..

« لقد حظي كلّ منّا بفرصة للتعريف عن نفسه ...

و ...، من العدل ان لا يكون هنالك إستثناءات ~ .»

ثمّ اشار برأسه تجاه طه و نظر إليه منهيا بينما يميل رأسه قليلا ...

« نودّ التعرّف على زميلنا الجديد ~ »..

كان الفتى الذي يجلس في الطاولة امام طه قد إلتفت إليه ليردف بخفوت و شيى من السخرية ..« يبدو أنّ الكوميسار قد امسك عليك زلّة ما ~ » ... و كان يقصد بذاك اللقب إباء ...

يمكنك ان تلمح حينها طه بينما يختلس النظر إلى إباء بضيق و سذاجة ، منصدما من جرأته و إصراره على توريطه ..

~ هل .. انت .. جاد ؟ ~

إستطاع إباء قراءة ذلك في ملامح الٱخر لتتوسع بإبتسامته الجانبيّة ..

اما عن طه فلم يطل النظر إليه و اعاد النظر للاستاذة بإبتسامة شبه متوترة عندما لاحظ انها بدورها قد فهمت مقصد إباء ...

فسارعت بالنظر لطه و سالته بهدوء ..

« لست من النوع الذي يستعجل هذه الامور ، لكن ..،هل تريد التعريف عن نفسك ؟ »

كانت صادقة في سؤالها ..بمعنى انها لم تكن تحاول السخرية من الامر و تركت له حرية الجواب و التعريف عن نفسه او لا .. على حسب رغبته فهي بالفعل غير مستعجلة لانها تعلم ان امامهم سنة دراسية كاملة و سيعرف كل من بالفصل بعضهم البعض جيدا مع الوقت ..

طه بدوره كان هنالك ما يجوب في خاطره ، فإستجمع شجاعته ليستقيم من مكانه ثم يشير للوح نابسا بإبتسامة ..

« هل يمكنني الصعود ؟»

«يمكنك التعريف من مكانك او القدوم لهنا ، كما تشاء » .

و هو فضّل الخيار الثاني ..، متعمّدا ..

سار بخطوات ثابتة إلى ان وصل لمكتب الأستاذة ، مدّ يده ليلتقط إحدى قطع الطباشير من على المنضدة ثمّ تقدّم من اللوح ليكتب إسمه بخط كبير و عريض إمتدّ من بداية اللوح حتّى ٱخره و جذب انظار كل من بالقاعة إليه ، حتى انه يمكنك سماع ضحكات بعضهم على تلك الحركة و منهم الأستاذة بنفسها ~ ...

إستدار من بعدها في حركة آلية و الإبتسامة تعتليه ، تحمحم قبل ان يردف فاردا ذراعيه ...

« زملائي الأعزاء ... آنسة ~ ..»

من ثم أشار بكلتا يديه للوح منهيا ...

« أدعى .. طه ... أرجو ان يكون خطّي واضحا للكل ~ »

قال الجملة الأخيرة بصوت أخفت و أعينه قد توجّهت نحو طاولة إباء تحديدا ..

و لكن جملته تلك جعلت بعض الضحكات تتسرّب من البعض كونه فعليّا قد كتب إسمه على كامل اللوح ..

عاد ليجيل بصره بين باقي الفصل منهيا بذات النبرة العفويّة ...

« هذا تعريف بسيط و موجز عنّي ~ ... أمّا الٱن - يشير بذراعيه - ... الدور عليكم ~ »

نظر نحو المدرّسة ليردف ..« آنسة صونيا ..إن لم تخني ذاكرتي ~ »

إبتسمت هي لتهزّ رأسها مؤكدة ..

« oui , c'est moi »

ثم بعدها تقدّم لأول طاولة من جهة اليسار حيث جلست فتاتان ليشير لهما بإبتسامة ..

« الأسماء لو سمحتما ~ »

في البداية إستغربتا لكن بعد ان فهمتا قصده عرفتا عن إسميهما ، من بعدها إستمر هو في السير و الإشارة إليهم واحدا واحدا ...و هم بدورهم و بمجرّد ان يشير لاحدهم كان مباشرة يخبره بإسمه ..

اما هو فكان يرد على كل منهم بعبارة مختلفة مثل ..

« تشرفنا ~.. »

« فرصة سعيدة ~ .. »

« اهلا بك ~ ...»

... كان الكل يراقبه بإبتسامة منتظرا ان ياتي الدور عليه ...و لم تكن الأستاذة من النوع الصارم بل راقبته بفضول حتى عرفت مقصده من تجواله بين الصفوف على ذاك النحو و لم يكن منها سوى أن كانت تبتسم هي بدورها على سلوكاته الطريفة ..

إنتهى من الجميع و تعمّد ان يجعل إباء ٱخر من يسأله ..

تقدّم من طاولته ليشير إليه و يساله كما لو كان لا يعرفه ..

« و انت ~ ذكرني بإسمك ~ »

كان حينها إباء كاتفا يديه بإبتسامة جانبيّة لم تفارقه ليرد بنبرة هادئة دون النظر للٱخر ~ ..

« بي ~ .. أدعى بي .. »

إدعى طه إستغرابه من التسمية ٫ ليس كما لو انه هو من اطلقها عليه ٫ لينبس ~

« إسم غير مألوف ~ »

...

« اطلقه عليّ معتوه أعرفه ~ »

لم يردّ طه و لكنه لم يمنع تلك الضحكة التي خالجته قبل ان يتذكر انه فعليّا يسخر من نفسه ...

إكتفى بإلقاء نظرات ضيق على الٱخر ثم عاد ليستدير من جديد ليقف عند اللوح مردفا ...

« لست من محبّي الرسميّات ، لكن أرجو أن نمضي سنة جميلة و موفٌقة معًا ~ ...

ليس بجعبتي الكثير لقوله لذا ~ .. »

وضع يده خلف ظهره لينحني كمن يقف على مسرح منهيا ...

« شكرا على حسن الإستماع و الإنصات ~ »

لم يكن اكثر ما جذبهم إليه جراته او روحه الهزليّة و لا حتّى كلامه و الذي كان موجزا ، ليس بقدر نبرته التي تغيرت مائة و ثمانين درجة و مقامات صوته التي ذكرتهم باصوات مذيعي القنوات الوثائقيّة ..

لديه صوت مميّز ~ ... ذلك ما تبادر إلي أذهانهم جميعا

و هو السبب ذاته الذي جعل هدوء مريبا يحلّ بالمكان رغبة منهم في الإستماع إليه ..

و لعلّه السبب ذات الذي جعل القاعة تعجّ بأصوات تصفيق بمجرّد قيامه بتلك الحركة الختاميّة الطريفة ...

لم يستطع هو إمساك ضحكة خفيفة تسربت عندما ادرك تصرفاته الطريفة و تسائل عن سرّ تلك الجرأة التي تلبسته فجأة ...

ربما لانه أحبط خطة إباء في توريطه ~ ..

يمكنك مشاهدته بعدها و سط تصفيقاتهم و هو يدنو من المدرّسة ليستفسرها بشأن شيئ ما ، من ثم سنراها و هي تومى له بالموافقة ...

من بعدها لوّح لرفاقه ليتوجّه بذات الخطوات المترنحة تجاه طاولته و اعينه على إباء ، لكن هذه المرة كان تعتليه إبتسامة هادئة ..

توجه طه نحو حقيبته ليلتقطها ثم سار نحو رفيقه ليسحب الكرسي و يجلس بجانبه ...

اما الٱخر فقد توسّعت إبتسامته قبل ان يدير اعينه نحوه ثم يمدّ يده ليشبك كفه بكفّ الٱخر ..

« قبل ان تقول ايّ شيى تذكر أنك حصلت على فرصة لعرض مواهبك المسرحية بفضلي~ »

« تقصد مواهبي التي تستحق الدفن ⁦ತ⁠_⁠ತ⁩ »

« . . . قلتها بنفسك ~ »

هنا فكّ طه يده ليلكم الٱخر بخفّة و هو يردف بعدم رضا ...

« هااي ! ... انا بالفعل أستخفّ بنفسي ، لذا يفترض على الأقل ان ترفع امالي ... اين المواساة و الصديق وقت الضيق ⁦ರ⁠╭⁠╮⁠ರ⁩ »

قهقه إباء بإبتسامة جانبيّة و ازاح اعينه عن الآخر ليردّ بنبرة هادئة ...

« واجبي تضيقها عليك أكثر..، و ليس العكس ~»

« هاااه !! » خرجت من ثغره بشكل هزلي رغم ملامح الضيق الطريفة التي على ملامحه و أخذ بالتفوّه بتذمّرات عشوائية بصوت خافت نظرا لأنه بقاعة درس ، و كان قد إنحنى على الطاولة و رفع سبابته اليسرى و اخذ يخز بها كتف الٱخر بشكل متكرّر ..

امّا إباء فكان قد إعتاد مثل تلك التصرفات الطفوليّة منه ، و لعلّه إشتاق إليها فقد مرّت مدّة على ٱخر مرّة رآه فيها وجها لوجه ، و لم يكن منه في مثل تلك المواقف سوى ان يتجاهله أو يختلس النظر إليه بإبتسامة جانبية ترتسم عليه بشكل لا إرادي ..

رنّ جرس إنتهاء الحصّة الأولى و يمكنك سماع صوت الضوضاء الصادر عن كلّ قاعة عامرة بالمدرسة ..

تلاطم الكراسي و إحتكاك أقدامها المعدنية بالبلاط و اصوات خطوات الطلاب و هي تتسابق للخروج من القاعة دفعة واحدة .. هكذا هي الحال كلّ ساعة ..

فعلى عكس الأنظمة المدرسية التي تجعل لكل فصل قاعة ثابتة طيلة العام الدراسي ، فالنظام هنا ينص على أن تكون كل حصّة لكل فصل بقاعة مختلفة و بالتالي فكل ساعة و على حسب الحصّة ستجد الطلاب ينتقلون من قاعة لأخرى ...

دلف كل من الولدين خارج القاعة ووجد نفسيهما منساقين عبر الرواق بالغصب بسبب تدافع الطلاّب كالسيل الجارف ...

و قف إباء عند ٱخر الدرج و إبتعد جانبا لتجنّب تعطيل مرور البقية و إستلّ هاتفه من جيبه بينما مد يده الأخرى ليسحب طه من ذاك الإزدحام ..

« ويلي ~ ... » قالها بينما يتنفّس الصعداء قبل ان ينظر للٱخر بينما يستفسره

« ما رقم القاعة التالية ؟ »

« هذا ما احاول معرفته ، لقد نسيت ورقة الجدول فوق الطاولة ، و بالتأكيد لن اعود لإستعادتها ~...

علم اتذكر كانت حصة بالإجتماعيات . . .» .. قالها و أعينه على الهاتف بينما يتاكد من رقم قاعة الدرس التالي من الرزنامة المنشورة على صفحة المدرسة ،

و ما كاد يرفع بصره عن الهاتف حتى سمع صوتا مألوفا ...

رفع رأسه ليجد أنه أحد أصدقاءه القدامى و الذي أقبل عليه ليصافحه ...

لم يكن طه على صلة او معرفة وطيدة بالفتى الذي قدِم فجأة ، و لكنه تذكر أن إباء عرّفه عليه مرّة قبل عام من الٱن و بحسب ما يتذكر فقد كان إسمه 'يمان' ..

تبادل الفتى بعض عبارات الترحاب مع إباء و عندما لاحظ وجود بطلنا لم يتجاهله و ألقى عليه السلام

من ثمّ دارت بينه و بين إباء بعض الحوارات القصيرة قبل أن يغادر ... لم يشاركهما طه الكلام و لكن بعد مغادرة ذاك الفتى أردف بطلنا ..

« أ ذاك يمان ؟ »

« تعرفه ؟ .... كان معنا في إختبار المناضرة ، بالتأكيد تذكره »

«اممم لا ~ ... بالكاد اتذكر شخصا عداك ممن ألتقيتهم بذاك الإختبار ، لكن لقد عرفتني عليه العام الماضي ~ ... »

« حقا ؟ .. لا أذكر أنني فعلت ..»

« و لا أنا أذكر أنني رأيته عدا تلك المرّة ~»

تبادلا ذاك الحوار أثناء متابعتهما للسير و قد عاد إباء للنقر على هاتفه ...

ساد الصمت لثوان قصيرة قبل أن يتوقّف طه مكانه ثمّ يرمش مرتين و قد إستوعب أمرا ما ...

« بي ~ ... »

« نعم يا مصيبة بي ؟» ردّ عليه و هو ما يزال مستمرا في السير و شاردا في هاتفه ..

نقر طه بين سبابتيه بينما ينبس بتفكير ..

« متى ٱخر مرّة إلتقينا ..»

« قبل الصيف ؟ .. هل هذا مهم ؟»

« لا لكن ... هل سلّمنا على بعضنا ؟»

هنا توقّف إباء عن السير و رفع رأسه ليلتفت له بصمت ... من ثمّ اردف ..

« . . . لا ..، ثم ليس كما لو أنك لم تكن تزعجني بشكل يومي طيلة أربع أشهر برسائلك و المقاطع العشوائية التي ترسلها بإستمرار ! ..

لم تقصّر أبدا في جعلي لا أشعر بغيابك »

« هـ ... هااي !! » قال بضيق طفولي بينما يشير له..

ثمّ كتف يديه منهيا ..« و تسلّم على شركائك بالسكن المدرسي ، و ذاك اليمان ~ .. و تستقبلهم بالأحضان~ ... في حين يتمّ تجاهلي ! » و رفع يديه بتذمر بينما يسير متجاوزا الٱخر ..

كان إباء يراقبه بهدوء و ملل ليردف ..

« . . . كان بوسعك المبادرة »

هنا لف طه رأسه و زمّ شفتيه قبل ان ينبس ..

« و كيف سأصطنع الدراما لو فعلت ヘ⁠(⁠ ̄⁠ω⁠ ̄⁠ヘ⁠)⁩ »

قهقه إباء بإبتسامة جانبية و هزّ كتفيه بقلّة حيلة بينما يعيد الهاتف لجيبه و يتقدّم من الٱخر بخطوات بطيئة ، وقف امامه مباشرة و مدّ يديه ليمسك كتفي طه و يهزّه بهدوء و قد إرتخت ملامحه و عمّها الضجر و هو يردف ..

« يعجز لساني عن شتمك »

من ثمّ شدّ على كتفي الٱخر و سحبه نحوه ليحيطه بذراعيه ضامّا إياه بقوّة ..

« أ راض الٱن ؟»

رمش طه عدّة مرّات و هو يستوعب الوضع .. ليس كما لو انه غير معتاد على الاحضان خاصة من إباء و لكنه لا يجيد التعامل مع الاجواء او الحركات الحميمية ... و لكنّه إبتسم بهدوء بينما يلف يده حول الٱخر بهدوؤ ، و رفع الاخرى ليربّت على رأس إباء بينما يردف ..

« اوكّي ~ » ...

شدّ إباء حظنه للمرة الاخيرة قبل ان يفصل العناء بينما يمسك معصم طه و يسحبه مردفا بينما يحثّ خطواته ...

« حسنا دراما كوين ، نحن متأخران بعشر دقائق عن الحصة »

و في حين كان إباء الجار اصبح هو المجرور فبجرّد ان ادرك طه تاخرهما حتى بات هو الذي يركض ساحبا الٱخر ..

« لا يعقل !! .. لن احصل على بطاقتَيْ دخول بنفس اليوم ! »

« اوي مهلا! . . . »

« من دون مهلا ! »

« يا كارثة انت لا تعرف حتى رقم القاعة !»

. . .

مرّت الساعة التالية في اجواء ما بين الهزل و الملل ،

لم تكن مدرّسة الإجتماعيّات هي الاخرى من النوع المتشدّد او الذي يفرض سيطرته على الطالب ، كانت سيدة متفتّحة و قد اعطتهم بعض اللمحات على كيفية سير الحصص عندها و بعض العناوين الموجزة لما سيضطلعون عليه هذه السنة ببرنامج التربية المدنية ، كما شاركتهم بعض المجالات التي تتخصص فيها عدا التدريس إذ انها كانت ايضا صحافية و لديها بعض الفقرات التي تعرضها في بعض المواسم بالإذاعة ...

إنتهت حصّة أخرى ، و الساعة الٱن تشير للعاشرة

ايّ انه وقت فصحة العشر دقائق ..

سار إباء جارّا طه من معصمه و الذي كان جسده مرتخا و هو يتذمّر ...

« لاااا ~ ... انا مرهق ، و قدماي الهشّتان لا تحتملان السير ~ »

اما إباء فإستمرّ في السير بملل غير عابئ بتذمراته الطفولية ..

« كُفّ عن النحيب ~ ..إنها فصحة و علينا إستغلالها للخروج.. »

« انا بالفعل بالخارج أغلب الوقت ~ ..و افضّل البقاء مكاني حتّى رنين الجرس !»

« لا ألومك ، فانت لست مسجونا هنا مثلي »

نظرا للمسافة البعيدة الفاصلة بين بيته و المدرسة ، كان إباء منذ دخوله الإعداديّة مضطرّا للتسجيل بالسكن المدرسي و بالتالي الخضوع للقاعدة التي تنص على عدم السماح للتلاميذ المقيمين بالسكن بالخروج دون إذن القيّم المسؤول ، و لكن التلاميذ يخرجون في كثير من الاحيان خلسة وقت الفصحة او الساعات الفارغة ..،

لذا فالإقامة بالنسبة لصاحبنا أشبه بالسجن و على عكس طه ٫ الذي يفضّل غالبا البقاء داخل جدران المدرسة ، فإباء يفضّل الخروج متى ما سنحت له الفرصة ..

« إخشوشن قليلا ، ما نزال بالبداية و امامنا عام طويل من السير ~ »

« عامنا الاوّل معا بنفس الفصل و بدأت اندم من الٱن ~ » قالها طه بضيق طفولي ..

هنا توقّف إباء و إلتفت إليه بملل و هو يردف ..

« لم نمشي سوى بضع خطوات و صدعت رأسي ، فماذا لو طلبت منك ان ترافقني للبلدة ؟ »

« هااا ~ ... لم اذهب للبلدة سوى اربع مرات فقط طيلة العام الماضي ~ »

إبتسم إباء بشكل جانبي و قد بدا عليه شيئ من الدهشة و هو يرد « انا كنت اذهب أربع مرات باليوم الواحد ... و يفضّل ان تعتاد الامر بما انّك معي »

تكلّم مواصلا سيره و جره لطه الذي بدت عليه الصدمة لييردف بنحيب محاولا مقاومة سحب الٱخر له ...

« لاااا ! ... مستحيل !! ...

لن امشي كلّ تلك المسافة البتة ! ..

انا اكسل من ذلك !!~ »

بطلنا لديه إنفصام في الشخصية فيم يخصّ النشاط .. فهو نشط و كثير الحركة معظم الوقت ، و إن سألتني فهو عدّاء بارع و سريع و قادر على قطع مسافات طويلة قبل أن ينهكه التعب .. لكن ذلك فقط وقت ما يريد ~ ..

و إن لم يكن له مزاج للسير او المشي فستجده مرتخ بالكامل و همّه الوحيد الجلوس بمكان واحد ..

تماما كما حاله الٱن .

ادار إباء عينيه في الهواء بإبتسامة لا إرادية و هو يواصل سحبه لرفيقه الكسول و قد كان متوجّها نحو الباب الرئيسي عندما لاحظ ذاك الدكان المفتوح بجانب المدخل ..

بالعادة يكون هناك دكان صغير يبنى داخل بعض المدارس الثانويّة و الإعداديّة ، و يكون معروضا للإيجار ... و يتمّ كراءه من جهة الخارجية لتباع فيه بعض الوجبات او المأكولات الخفيفة للطلاب ..

إنه عامه الثاني بالثانويّة ، و هذه اول مرة يرى فيها الدكانة مفتوحة .. على الأقل اصبح هنالك مكان متوفر لشراء بعض الأشياء من داخل المدرسة دون الإضطرار لأخذ إذن للخروج ..

اصلا متى اخذ صديقنا إذنا ~ ..إنه بارع في الدخول و الخروج دون ان يتم ضبطه او كشف أمره ~

توقف إباء عن السير و افلت معصم صاحبه بينما يستفسر مشيرا ببصره لباب المتجر ..

«أنظر .. لقد فتحوا الدكان هذا العام »

اطلّ طه من خلفه بينما يسند ذقنه على كتف رفيقه ناظرا لذات المكان بينما يرد ..

« أ تقصد ذاك المتجر الصغير ؟ ..لم اتوقع ان يفتحوه أصلا ~ ... هل سنحصل على السكاكر ~ »

كانت ثوان قبل أن يسمع بطلنا صوت غير مألوف ينادي بإسمه .. « طه » ..

إلتفت كل من طه و إباء ليشاهدو فتاتين و ثلاث اولدان يقبلون نحوهم ..

كانت إحدى الفاتاتان ببشرة ناصعة و ترتدي نظارة امّا الأخرى فقد كانت سمراء بربطة شعر كذيل الحصان ، بالنسبة للفتية فأحدهم كان نحيفا يرتدي قبعة كالتي عند بطلنا لكن تختلف عنها بلونها الابيض كما كانت ملفوفة نحو الخلف و اعينه كانت محجوبة بنظارات شمسيّة اما الولدان اللذان معه فيمكن القول انهما كانا نسخة طبق الأصل عن بعضهما البعض و لا شكّ في انهما توأم و إن كان هنالك شيئ مميز عدا الشه و طول القامة فهو شعرهما المجعّد و الطويل و الذي كان يغطي عينيهما نسبيّا ...

بالنسبة لإباء فقد كان على معرفة سطحية بهم ، اما عن بطلنا فالوجهان الوحيدان المألوفان من بينهم

كان الشاب ذي النظّارة و البنت السمراء اما البقية فلم يكن يعرف أيا منهم ..

كان اول من تقدّم من المجموعة هو الفتى ذي النظّارة و الذي إتكأ على كتفي طه مردفا بنبرته صوته التي لا تختلف عن اولئك المتسكعين الشين يعترضوننا بالافلام ..

« أوي ~ صديقي يبدو انك بدات تحظى بالشعبيّة ~ » قالها بينما ينزل نظاراته قليلا كاشفا عن اعينه البنّية ، ليعيد رفع عدساته السوداء منهيا ..

« راقبني و أنا اقدّم لك زملائك الجدد .. »

« سبق و قدمنا انفسنا .» اردفت البنت ذات النظارة ليئيدها إباء كاتفا يديه « وجهة نظر » ..

و هنا نظر لهما صاحب النظارة الشمسية نابسا ..

« لا تقتلا المتعة ~» ... ثم أنهى مشيرا لكلّ من إباء و طه ..

« معكم طه ، او على قول العم علي ، الشيخ طاهر ~ » ...

« فضحتنا ! » همس طه بإبتسامة متكلّفة ، فصاحب النظارة الشمسية و الذي بالمناسبة إسمه كان حذيفة لم يكن مجرد صديق بل و كان جاره بالحيّ لذا كان يعلم بشأن المُسمّى الذي أطلقه عليه جارهم العجوز ...

المُهم انّ حُذيفة انهى كلامه مشيرا لإباء « بالنسبة للكوميسار ، أتصوّر ان المعروف لا يعرّف ~ »

ثم أشار بيده نحو الأربعة أمامه ليردفة. .

« امّا عن هؤلاء ، فعندنا ذات الاربع أعين ، صاحبة الجبهة ، و أخيرا سعد و سعيد ~ »

قالها بمزاح لتتقدّم منه ذات النظارة و تصفعه على رأسه بإنزعاج ..« كفى تبلّدا !»

ثم نظرت لكل من طه و إباء لتصحح قائلة ..

« سبق و عرفنا عن بعضنا لكن تحسُّبا الأسماء كانت ...حنين ، قُبيس »

من ثم أشارت للولدين الٱخرين منهية ..

« إياد و مُؤيّد » ..و بدورهما رفعا يديهما بالتزامن لإلقاء التحيّة ..

« صديقي لقد وقعوا في حبّك من النبرة الاولى ~ »

قالها حُذيفة ليتلقى إثرها صفعة أخرى من حنين في حين تدخّلت قُبيس مخاطبة طه ..

« دعك منه ، كل ما في الأمر انّ آداءك الصوتي هناك كان مميّزا »

« اخي علينا ان نجد لك مكانا في قناة ناشيو »

اردف إياد ليرفع شقيقه التوأم إبهامة كتأييد لكلام أخيه ..

رفع طه يده لرقبه بخجل و هو يردّ بضحكة خفيفة ..

« ر... رفاق ~ .. شكرا !»

هنا نظر حذيفة لأحد التوأمين ليهمس ..

« بسس ~ .. أخبراه » قالها مشيرا نحو طه و هنا نكز أحد التوأمين أخاه بمرفقه مردفا ..

« اخبره .. »

فإلتفت له توأمه ممتنعا « بل أخبره أنت .. »

« إنها فكرتك ، لذا انت أخبره »

« بلى ، كانت فكرتك انت !»

هنا نظرت لهما قُبيس بملل مردفة

« بل قل كانت فكرتكما معا ~ »

طه كان يشاهد الموقف بإبتسامة و حيرة ، خاصة و انه إستنتج انه المقصود بتلك الوشوشات ، قبل ان يشعر بيد توضع على كتفه ثم سمع صوت إباء و هو يردف ..« سأذهب لرؤية المتجر هناك حسنا »

هزّ طه رأسه و نظره ما يزال على الأربعة الٱخرين ..

ادارت حنين عينيها بملل و هي تردف بسأم ..

« كفى مناوشات طفوليّة ! ساخبره أنا »

ثمّ نظرت لطه منهية « يريدون منك ان تقول جملة ما بصوتك ... - بتفكير - .. جورج أو ..شيى ما »

ثم إلتفتت لرفيقتها و هي تستفسرها ..« ماذا كانت الجملة ؟»

رفعت قُبيس سبّابتها بتفكير من ثمّ بدت كما لو انها تذكرت شيئا و هي ترد مشيرة لطه

« هل يُمكنك ان تقول ...

" إنّها سمكة عنيدة يا جورج ~ "»

طه:

« م ... ماذا ⁦⁩⁦(⁠๑⁠¯⁠◡⁠¯⁠๑⁠)⁩ ؟؟ »

...