الخطوة الأولى1/4
17 دقيقة قراءة · 3,383 كلمة
تسابقت أقدامه و إندفع جسده في مسار ملتوٍ ما بين الرصيف و منتصف الشارع بينما يجاهد هو للفرار ...للمرة الألف على الأرجح ... من كلاب الحيّ التي لم يكف صوت نباحها يرن بآذانه حتى بعد أن تجاوزها بأمتار عِدّة .
إتّخذ عدّة منعطفات بين الأزقّة الضيّقة ثم لفّ رأسه ليستطلع الموقف ، و تسلّل إليه شيئ من الإطمئنان عندما بدت الكلاب قد تاهت عنه و لكنّ ذلك لم يمنع تسارع خطواته .
عند إنعطافه عند ذاك المنحنى إستوقفه صوت نداء مألوف ... جاره العجوز صاحب بقالة الحي الذي كرر ندائه داعيا إيّاه ، بغير إسمه ، كالعادة .
'الشيخ علي' :« طاهر ! »
'طه' :« مستعجل يا عم عَلِي مستعجل !! »
قالها و أقدامه ما تزال تندفع .. دون ان يعير إهتماما لكون الٱخر قد ناداه بإسم غير إسمه .
« على مهلك لدي ما أعلمك به .. »
« لاحقا ! »
« إنه لا يحتمل التأجيل »
أطبق الفتى جفنيه بشدّة قبل أن يفتحهما متوقّفا على مضض ثم عاد خطوات للخلف .
رغم علمه بأن مواضيع ذاك العجوز تافهة و مكتنزة بالمبالغة ؛ « ماذا ؟ »
فإبتسم ذاك الشيخ قبل أن يأخذ في التبرير و ذكر طعونه في السن و أحاديث أخرى أجزم أنها قد حفرت بذهن طه من كثر ما سمعها ، فكعادة ذاك العجوز يطيل في الثرثرة قبل أن يذكر حاجته , هذا إن لم يكن قد نسيها .
لم تكن سوى عِدّة ثوان و لكن بالنسبة لـًطه الذي كان يهرول في مكانه على عجل كانت عبارة عن دهور لذا لم يفكّر كثيرا قبل أن يتدخّل ليوقف مقدّمة ابن خلدون قبل أن تبدأ ...
« يا عمّ ! رجاءً أدخل في صلب الموضوع ! »
فتلعثم الشيخ قبل يبتسم مردفا
« قُلت ماذا لو ... »
ثم حوّل نظره لداخل المحلّ قبل أن يعيد النظر للشاب بينما يريه ذاك المصباح التي بيده و يبتسم بعفويّ قائلا .
« لو تساعدني على تركيب هذا المصباح ..»
و أعاد تحويل نظره نحو سقف الدكّانة منهيا
« كما تعلم انا رجل عجوز و ركبي لم تعد تُجدي .. »
بعد ذكره لذاك السبب الواهن عاد للشكوى من كبره في السن فإستدرك الشاب خطأ توقفه و لم يكن منه سوى أن ادار عينيه ليستأنف ركضه و قد عادت الكلاب لتطارده .
. . .
في المحطّة ، أوصدت الحافلة أبوابها و هدر المحرّك معلنا إنطلاقها .
بعد وصولِه متأخِّرا ، لم يجد _ الفتى_الفرصة حتى ليلتقط نفسا من بعد تلك المطاردة السريعة .
ركض خلف الحافلة ملوّحا بيده ، آملا أن يراه السائق ، و لكن و سط تلك الفوضى ، الضجيج و الأحاديث الجانبية للتلاميذ داخل الحافلة لم يكلّف السائق نفسه عناء النظر للمرايا الجانبيّة و بالتالي لم يلحظ بطلنا الذي كان قد يأس و انهكه التعب .
تباطأت خطواته و هو يلتقط أنفاسه و لم يكن قد توقفّ بعد و إذ بقدمه تتعثّر بحفرة أحدثها تأثير الزمن على الطريق ، أو انه فقط إهمال من البلدية و من يعلم لعلّ المهندس الذي صممه من الأساس قد تخرّج عن طريق الغش .
لا علينا ....
الأمور منذ الصباح تعاكسه ، و لكنها لم تكسر كليا قشة التفائل في نفسه .
على الأرجح سيصل متأخرا جدا ..و يمكنه من الٱن تخيّل مدير المعهد و هو يخرج لِيُدخِل كلَّ التلاميذ ... فمنهم من يتعمّد البقاء خارجا ، و اغلبهم يتحجّجون انه ليس من الضروري دخول المعهد قبل الدوام ، أي قبل الساعة الثامنة ، ثم لا أحد منهم يودّ التورط في رفع العلم أثناء التحية الصباحيّة .
و هنا يأتي دور المديرة ، و التي تحرص على إجبارهم على الدخول فتخرج و تقود كلّ من تجده أمامها للداخل في مشهد لا يختلف كثيرا عن الرّاعي الذي يلمّ أغنامه بالمرعى ، و من بعدها تأمر بإيصاد الأبواب الخارجية .
بعد ان يصل صديقنا متؤخرا ، كالعادة ...
وقف أمام تلك البوّابة الضخمة ذات اللون السماوي و يداه على خصره ...أمال رأسه و أمال معه شفتاه نحو الجانب قبل أن ينزل ذراعيه و يتقدّم ليدقّ الباب بقوة ،و يكرّر الأمر مرارا ..، و مرارا ~ .
و لكن لم يسمعه أيّ من الحرّاس أو القيّمين .
و بدل أن يجد طريقة معقولة للدخول ، قرّر صاحبنا إعتماد مبدء التفكير خارج الصندوق و دون أن يضع قواعد المبنى الذي أمامه في عين الإعتبار كان يناظر الجدار الذي يحتظن المدرسة و قد إلتمعت فكرة جنونية في ذهنه .
.. إستطاعت يده أخيرا أن تتمسّك بأعلا الجدار و سحبت بقيّة جسده ليجلس أعلاه و كلّ قدم على جانب من الحائط و بهذه اللحظة إستوعب عند نظره للأسفل أن الأرض من الجانب الداخلي أعلا بكثير من الجهة التي صعد منها .
و بينما هو كذلك متردّد في النزول ، إذ أقبل عليه ذاك الرجل القصير بمنتصف العقد الخامس ذا المشيت المترنّحة و بيده صندوق من الورق المقوّى مليئ بالأوراق ؛ على الأرجح سيوصلها للإدارة و لكنّه لمح صدفة ذاك الشاب الذي يجلس بشكل غير مألوف اعلا الجدار فتوقّف ليناظره بإستغراب قبل أن يشير إليه بيده مستفسرا بضيق
" انت !! مالذي تفعله عندك ؟! "
قالها بنبرة شبه عالية ممّا جعل بطلنا يتفحص محيطة بتوتر بينما يرفع سبابته إلى شفته متودّدا من الٱخر تخفيض صوته ..« بهدوء يا عم وهّاب ! ... دققت الباب عدّة مرّات دون جدوى فلم اجد حلاّ للدخول غير تسلّقه . . » ثمّ نظر حواليه كما لو كان يبحث عن طريقة للنزول ثم إلتفت للرجل بالأسفل من جديد و هو ينبس _البطل_بشيى من السذاجة و إبتسامة بلهاء ..
" أ معك سُلّم ~؟ ". ..
امّا عن هذا الحارس فقد كان رجعا خمسينيّا لازم مهنته لسنوات و هو معروف بين كلّ الطلاب ... إنه شخص طيّب و ذو شخصيّة مرنة و متسامحة ، و قد ساعد بطلنا ، على الأرجح لم يرد التسبّب في المشاكل له
بعد أن نزل طه و خلصه العم وهّاب من ورطته ،
أشار الرجل بإصبعه لباب الإدارة قبل أن يذهب دون قول شيئ بعد أن إستنتج تأخر القتى في القدوم ..
في البداية لم يفهم مقصده من تلك الإشارة و لكنّه عندما أطلّ لمح صفوفا من الطلّاب مكدّسين أمام مكتب بطاقات الدخول .
إستغرب المشهد ..، طبعا لم يكن استغرابه من كثرة الطلّاب ، فقد رأى في اوقات سابقة كمّا أكبر من هؤلاء ، لكن ما إستغربه فعلا هو كونه اليوم الثاني بالدوام ، أليس من المفترض أن لا يكون دفتر تسجيل الحضور موجودا ؟
سأل أحدا مما كانوا في الطابور فأكد له أن الادارة قد باشرت من الامس العمل بدفتر تسجيل الحضور منذ الأمس ..
و إحزروا من لم يحضر بالأمس !
يبدو أن المديرة الجديدة تتبّع نظاما صارما ~
بالتأكيد لم يكن طه ليكلّف نفسه عناء الإنتظار بذاك الطابور ، ليس كما لو أنه مستعجل أو متحمّس لبدء الحصص الدراسيّة و لكنه إعتبر الأمر كتحدّ و مغامرة لتجاوز تلك الصفوف .
نظر حواليه بحثا عمّ يمكن أن يساعده و على بعد عدّة خطوات شاهد مجددّا العم وهّاب واقفا يتحدّث لأحد الحراس الٱخرين و كانت تلك الكرتونة ما تزال بيده ..،الكرتونة ذاتها التي إعتبرها بطلنا طوق نجاته فإبتسم و رفع يده ليعدّل قبعته التي تطابق لونها مع شعره الفاحم و أدارها للأمام متوجّها نحو الهدف ..
كان الحارس الواقف إلى جانب وهّاب قد ذهب و كانت هذه فرصة ذهبيّة لبطلنا ...
طه :« عمّ وهّاب !~ »
هرول الفتى قليلا و عندما إقترب من العمّ مدّ يديه ليشاركه الإمساك بالكرتونة ناظرا لمحتواها بينما يردف ...
« سلام ~ .. يا عمّ~ إلى أين تأخذه هذه الحزم من الأوراق ؟ .. »
ناظره وهّاب بإستغراب و رمقه بنظرته الشهيرة التي لا تميّز إن كانت دليلا على الغضب أم البرود و لربّما المزاح و لكنّ فيها شيئا من الطرافة ثمّ ما لبث أن إقترب بهدوء من بطلنا الذي كان لحظتها يبتسم كالأبله ، ليردّ العمّ متجاهلا الطريقة الغير رسمية التي بدأ بها الفتى هذا الحوار ...
« إلى مكتب الناظر .. لِم السؤال ؟ »
« ليس لشيّ لكن ..~ »
ثم إنسحب بهدوء للخلف دون أن يزحزح يديه عن علبة الورق المقوّى حتى بات يحتضنها بين يديه بعد أن إنفلتت بسهولة من يد العمّ الذي بدوره من إستغرابه أرخى يده عنها ...
« أنت فقط يا عمّ تبذل جهدا كبيرا ~ ، فقلت لنفسي لمَ لا أقدّم لك بعض العون ، ثمّ إنّني . . . » ..و إقترب منه هامسا ..
« أودّ إستكشاف الإدارة أكثر من الداخل ~ »
لم يكن الفتى من النوع الجيّد في إختلاق الكذبات ،و لكن رغم ان غايته من أخذ الكرتونة لم تكن تلك لكنها رغم ذلك إحدى غاياته الجانبية ~
هنا رفع العمّ حاجبيه المقوّسين بينما تزال تلك النظرة تعتريه ثمّ انزلهما فجأة قاطبا إيّاهما بينما ارجع رقبته للخلف و نظر جانبا بإستغراب ..
أعاد الرجل تحويل عينيه في محجرهما ناظرا للفتى ثم إرتسمت على وجهه إبتسامة بالتدرّج و هو يهزّ رأسه بهدوء .
و بطلنا يشاركه الإبتسام و هزّ الرأس فقط كي يسايره و يسهّل الحصول على غايته .
إقترب العمّ من الفتى بهدوء و في جزء من الثانية إنقلبت تعابيره ليعمّها الضجر بينما ينبس
« يا ولد ، إكفِنا شرّ مصائِبك .. »
أنهى جملته محاوِلاً سحبة علبة الكرتون من يدِ الٱخر و لكنّ الفتى تمسّك بها و تراجع بينما يحضنها بين يديه مترجّيا إيّاه .
« لا مهلا ! ..فقد سأستعيرها لبعض الوقت فقط !! ...
لا تعرف كم سيعني ذلك بالنسبة لي ~ » ..أردف الجملة بلغة فصيحة غير اللهجة العامّية و اللغة السائدة لبلاده ثمّ لفض ٱخر كلمة بينما يجثو على ركبته موطئ الرأس في مشهد درامي متكلّف ..
« أرجوك يا عمّ ! ..دعني أفعلها ~ »
ثم رفع رأسه بينما يمطّ شفتيه و جفناه يرمشان بشكل متكرّر ... معتمدا ما يعرف بـ " تقنيّة أعين الجراء ~ "...
لم يكن العمّ قد شهد على مثل هذه السلوكيّات الطريفة و الغير معهودة من قبل رغم مسيرته المهنيّة الطويلة كحارس .. و لم يستطع منع تلك الضحكة القصيرة التي إنفلتت منه على السلوكيّات الطفوليّة للٱخر فما لبث أن أشار إليه بسبّابته قبل أن يردف .
« مكتب الناظر . »
هنا إنشرحت أسارير الفتى ليومئ للأكبر مردفا ..
« مكتب الناظر ~ »
ثم سارع بالنهوض و توّجه مهرولا بينما يردف ناظرا للخلف « أحلى عمّ وهّاب ~ .. »
توغّل بين صفوف الطلّاب بينما يستسمحهم للعبور
و قبل أن يلج عبر الباب نزع قبّعته و أبقاء بين يده و علبة الورق المقوّى .
في الداخل كان هنالك رواق متوسّط الطول في ٱخره مكتب الناظر و على كلّ جانب منه توجد عدّة مكاتب و عند دخولك مباشرة ستجد مكتب بطاقات الدخول قبالتك .
خرجت إحدى الطالبات و قد ظفرت ، بعد مجاهدة و مناقشة لم تختلف عن التحقيقات التي يتمّ إجراءها مع المجرمين في الأفلام البوليسيّة ، ببطاقة و إذن لدخول الحصص .
و كاد احد التلاميذ ان يدخل بعدها لولا أن بطلنا إستغلّ الفرصة فإعتذر منه و دخل متحجّجا بإيداعه لعلبة الورق المقوّى التي بيده و سارع بإغلاق الباب خلفه .
أخذ نفسا ثم إستدار في حركة آليّة ليقابل وجهه ذاك القيّم الذي يجلس أمامه على المكتب منكبّا على الحاسوب .
تقدّم الفتى ليضع الصندوق على الطاولة و قد تسبّبت صوت وطئته على سطح المنضدة في جذب أعين القيّم الذي ناظر تلك العلبة ثم نظر إلى الفتى بإستغراب و هنا أردف الأصغر محاولا تجنّب لفت إنتباهه لتلك العلبة .
« سلام ~ ... » ثمّ أشار للعلبة منهيا « يمكنك القول أنّها ...طرد ? ..نعم أشبه بطرد ~ ...»
همهم قليلا قبل أن ينهي بلهجته المعهود ...
« إذا ~. . . لم يكن صباحي موفّقا اليوم واا~ فاتتني الحافلة لذا كنت أتسائل إن كان بوسعي الحصول على بـــ ... »لم يكد ينهي جملته حتى إستدار القيّم بكرسيه مبتعدا عن الحاسوب و أسند مرفقيه على سطح المكتب منحنيا برأسه ثمّ أخذ يفرك شعره بكلتا يديه من تحت القبّعة بعصبيّة
القيّم :« قسمًا لم تبقى كِذبة بالكون إلّا و تفوّهتم بها ! »
همس بغضب مكبوت قبل أن يختلس النظر لبطلنا بينما ينفذ دوخان السيجارة التي لطالما لازمت شفتين و لطالما كانت رائحتها تفوح من كلّ ركن من ذاك المكتب :« بني ، سمِعت ما هو أفضل . »
نبس بذلك ثمّ أشار برأسه نحو الباب دون ان يبعد عينيه عن الفتى
« إن لم تكن معك شهادة طبّية أو سبب مقنع فالبطاقة لن تمنح إلاّ بالولي ».
« ألا يعتبر هذا تحريضا صريحا على الكذب ؟ .. »
نبس الفتى بينما يطبطب بأنامله على سطح العلبة
رفع القيّم أحد حاجبيه مستفسرا :« ماذا ؟ »
« أعني ~ , سواء أ قلتُ الحقيقة أم كذبت فلا فرق البتّة ، سأكون متّهما بالكذب في كلتا الحالتين .»
« أ تريد إقناعي بأنّك قلت الحقيقة مثلا ؟ »
« اعني في حالة ما قلت أنا حقيقة ، بإعتبارها انها قد تكون ببعض الأحيان تافهة أو واهية و لربّما غير قابلة للتصديق ...إلا أنها ستظلّ حقيقة بالنهاية ، لكن إن أنت رفضت تصديقها متحجّجا بواحدة من الأسباب التي سبق و ذكرتها فأنت تضطرّني بذلك لإعتماد أساليب أخرى لإختلاق أسباب أكثر إقناعا من الحقيقة نفسها و إن كان كذبا ، و هذا أشبه بحثّ على الكذب لذا أقول لك .. لا ~ .. سيّان أن فعلت أم لا ، انت يا سيّدي ستعتبرها تغطية على كذبة لم أتفوّه بها أساسا ! »
بعد سماعه لذاك الردّ السريع و الذي بدا له شبه معقّد رغم صحته النسبيّة و مع إحساسه بالصداع بسبب مجادلاته المستمرّة مع الطلّاب لم يكن من القيّم سوى أن نظر جانبا و أشار بيده بإستفسار و حيرة ...
اعاد النظر للفتى بحاجب مرفوع ثم أشار له بسبّابته مردفا ..
« أ تعرِف ماذا .. »
سحب القيّم بسرعة أحد الأقلام المرميّة على المكتب و إلتقط معها إحدى البطاقات بينما يسأله
« الرقم و الصف ، بسرعة .. »
هنا عادت إبتسامة النصر لشفتيه و هو يرد ..
« 19 ، الصف الثاني .. •شعبة العلوم• »
لم يمنع القيّم نفسه من التحديق بالفتى بعد سماع الكلمة الأخيرة فنفذ دوخان سيجارته هامسا « كنتَ قلتَ من البداية » من ثمّ مدّ إليه بالبطاقة .
إنسحب الفتى نحو الخلف بإبتسامته المعهودة محافظا على العلبة بين يديه ثم إستدار نحو الباب بغية الخروج و لم يكد يتقدّم خطوة بعد و إلّا به يشاهد ذاك الرجل الدميم منتصبا قُبالته مباشرة .
لو كان تلميذا ٱخر غيره للعن الحظّ الذي جمعه بذاك المختلّ بذات المكان و لو مصادفة ..
و لا أحدّثكم عن تنهيدات اليأس و الإحباط التي ملأت صدور كلّ الواقفين بالخارج بمجرّد رأيتهم لذاك القصير يلج مكتب بطاقات الدخول ، حتّى أنّ بعضهم قرّر الإنسحاب و تأجيل أمر حصوله على البطاقة لحين خروج ذاك القيّم المختلّ و الذي عُرف بلقبه الشهير بين الطلاّب بـ " السيّد دجاجة " ...و إن كنت تتسائل عن السرّ وراء هذه التسمية الهزليّة فهو قصر قامة ذاك الرجل إذ لم يتجاوز طوله المائة و خمسين صنتيمترا ، إلى جانب نحافة جسده .
ناهيك عن أنفه الطويل الحادّ البارز و عينيه الغائرتين و اللتان لولا عدستا النظارة التي ضاعفتا حجميهما لكانتا كحبتي زيتون دقيقتين .. و لا أحدّثك عن تلك الشعيرات التي تعلوا رأسه .
رفع ذاك الدميم يده ليعدّل نظّاراته رامقا فتانا بنظراته الحادّة ، و لم يكن من ذاك اليافع سوى أن وسّع إبتسامته هازّا كتفيه بهدوء و كان على وشط الإستئذان للخروج لو لا ذاك الذي قاطعه بحدّة
« أ تراني أبتسم لك مثلا ؟؟ »
ثمّ حوّل الدميم عينيه لعلبة الورق التي تتوسّط يدي الٱخر منهيا بذات النبرة
« و ما هذا الذي بيدك ؟ »
أرخى الفتى تعابيره قليلا محافظا على إبتسامته و هو يرد
« إنه ..صندوق .. طرد ربّما ؟ »
« طرد ؟؟ .. و أين تظنّ نفسك ! ..هل ترانا بمركز بريد مثلا ؟؟»
صمت الفتى قليلا و كان الجدال ليطول لولا تدخّل القيّم الٱخر و الذي ردّ عليه بهدوء .
« دعك منه سيّد حسن .. و أنت يا ولد ، فالتنصرف » و أنهى كلامه مشيرا إلى الباب .
أنزل الفتى بصره و أومئ بهدوء ثمّ خرج من القاعة بسرعة ، و ما إن دلف خارجها حتى تنفّس الصعداء و أطلق ضحكة قصيرة كان قد حبسها .
فذاك الدميم معروف بحدّة طباعه و بحثه المستمرّ عن المشاكل مع الطلاّب لأتفه الأسباب و لو لم يتدخّل قيّم بطاقات الدخول و ينقذه لا يعرف إلى أين كان يمكن أن يصل به المطاف مع الدميم خاصة و أن طبيعة الفتى شبه صريحة و جريئة في المجادلات اللفظيّة و التي لن تسعفه في مواجهة حادّ الطباع ذاك .
كاد يخرج من الباب الرئيسي بإبتسامته الساذجة إلى أن إستوعب أن صندوق الأوراق ما يزال بين يديه ليعود مهرولا للداخل و يسلّمه للناضر ..،
و أخيرا خرج من الإدارة و هو ينطّ في حركات طفولية قبل أن يستوعب أنه ليس بحوزته جدول توزيع الحصص و بالتالي فهو لا يملك أدنى فكرة عن القاعة التي يتواجد فيها فصله ، فإستدار للرجوع لحيث ما كان _الإدارة_ لتدبّر ما يساعده على ايجادفصله و لكنه بعد تفكير قصير رفع إبهاميه ليشير بهما لإتجاه القاعات و يستدير في حركة ٱليّة و قد فضّل البحث عن القاعة بنفسه على العودة للإدارة للحصول على الجدول و الوقوع في مزيد من المواقف البالية .
و الٱن بات أمامه ما يقارب الـ 25 قاعة ليحوم حولها بحثا عن قسمه الجديد .
------------------------------- ✧
على جانب ٱخر من القصّة و تحديدا في واحدة من تلك القاعات الخمسة و عشرين حيث كان الصفّ المنشود .
وسط الوشوشات الجانبية التلاميذ و التي كانت عالية عن العادة نظرا لأنها كانت حصتهم الشبه رسمية الأولى و التي تمّ إقتطاع الربع ساعة الأولى منها عرّفت خلالها المدرّسة عن نفسها و عن متطلبّات المادة التي تدرّسها من دفاتر و قواعد بديهية أخرى و إستمعت فيها لتعريفات موجزة من الطلّاب ثم على الأرجح كان بودّها أن تنهي الحصة و تمنحهم الإذن بالخروج نظرا لأنها لم تكن لا هي و لا هم مستعدين للبدء بالمنهج بعد ، ليس باليوم الثاني على التوالي ? ... ثمّ إنهم طلّاب علوم و هذه سنتهم و خطوتهم الأولى بهذه الشعبة و على الأغلب سترى منهم إستهتارا تجاه مادّة التاريخ ، و هي إمرأة ذات خبرة في مجالها و كان لا بدّ من أن تنبّههم من و لو مجرّد التفكير في لإستخفاف بحصّتها .
لكن في هذه الوضعية و مع إتخاذ الإدارة للإجراءات الجديدة و التي ، بعيدا عن الطلّاب و الأساتذة ، حتى عمّال الإدارة نفسهم لم يكونوا مستعدّين لها ..
كان لا بدّ من أن ينهي كلّ قسم مدّة حصّته حتى النهاية ،
و وسط الصمت المتقع ، و لأنها من النوع الذي يساير تلاميذه ، أعطتهم حرّية الكلام إلى أن تنتهي تلك الساعة و يحين فرجهم جميعا ، أمّا هي فإنشغلت في هاتفها حينا و في تسجيل الحضور و تدوين بعض الأشياء حينا ٱخر ، ثمّ أنها كانت ببعض اللحظات تشير لهم بتخفيض أصواتهم عندما ترى أنّهم تمادوا إلى حدّ ما ..
من بين صفوف الطاولات المتجاورة من جهة الباب .
في المنضدة الرابعة و ما قبل الأخيرة كان ذاك الفتى ذا عصابة الرأس جالسا و رأسه موطئ بينما يتأمّل بإمعان ورقة كانت قد وزّعتها عليهم قبل قليل إحدى القيّمات تحتوي على جدول للحصص و القاعات الدراسية ، و كما العادة لم تغب تلك العبارة عن تصدّر أعلا الورقة بخطّ رفيع
[ جدول مؤقّت ] ..
. دائما ما يكون أوّل جدول أو حتى الثاني و ربّما الثالث مؤقّتا ببداية السنة ...
بعيدا عن ذاك التفصيل التافه و عن كون الجدول و الحصص مكتضّة و كون الدوام دائما ما ينتهي عند السادسة مساءً أغلب الأيّام ..، كان 'إباء' قد إعتاد على تلك الأمور أمّا عن نظرة إستهزاءه فهي كون الإدارة قد جعلت أولى حصّة لهم يوم الإثنين حصّةً في مادّة التاريخ و في نفس اليوم جعلت ٱخر حصّتين في مادّة الفيزياء و الرياضيّات ، أي أنهم جعلوا أكثر مادّتين تحتاجان التركيز و الإنتباه تدرّسان في ٱخر النهار عندما يكون الطالب مرهقّا و قد فقد كلّ تركيزه بالحصص الفارطة ..، و فوقها جعلوهما متتاليتين في نفس اليوم .
لم يكن منه سوى أن رفع أحد حاجبيه بإستغراب ثمّ سرعانما أزال تلك الملامح عن وجهه و قد تذكّر أنه أمر شبه طبيعي مع النظام العشوائي السائد فإبتسم بسخريّة بينما يفلت الجدول من بين أنامله و يستند على الكرسي موليا وجهه تجاه السقف ليطلق من بعدها تنهيدة خفيفة ، بهذه اللحظة فقط أُزيل ذاك الحجاب الوهمي عن أذنيه لتبدء الأصوات و الوشوشات التي تعجّ بها القاعدة ترده بعد أن كانت شبه محجوبة عنه .
هنا نظر حواليه ليشاهد كلّ زوجين أو ثلاثة من الطلّاب في صدد الحديث و الثرثرة ، و هنا تذكّر أحدهم .
أين من يفترض أنه شريكه في المقعد ؟
ألم يمضيا مساء الأمس في تبادل الرسائل و المكالمات الصوتيّة و التنسيق بشأن بداية هذا العام الدراسي ؟
و لعل معظم الرسائل كانت من رفيقه الثرثار ذاك
لقد غاب بالفعل بالأمس و تركه وحيدا ....او كما قال له هو
« تركتني كالبومة ! »
هل ينوي اليوم تركه كذلك أيضا ؟
لكن على الأرجح لا ، فقد سبق و أعلمه بقدومه ...
إن كان كذلك ..فأين هو للٱن ؟
لم يصدّع رأسه كثيرا بالتفكير ، يعلم أنّ صاحبه ذاك لديه حظّ يمرّ عليه مرور الكرام و إذ ما لمحه غظّ عنه البصر ~
ألقى 'إباء' برأسه على الطاولة متنهّدا للمرة الثانية ثم إنكبّ على خدّه الأيسر ليقابل رأسه النافذة التي تبعد عنه ما يقارب العشرين إنشا و ما هي ثوان حتى لمح احدهم من الخارج مارّا قرب الشبّاك ...