السابع -إنتظار لانهاية له-
3 دقائق قراءة · 468 كلمة
في اليوم التالي، أيقظتني أمي وأختي: "ريما، استيقظي!" فتحت عيني وقلت: "ماذا؟ ما الأمر؟"
أمي: "علينا النزوح من هنا، سيقصفون المكان قريبًا!"
خرجنا من المدرسة، وصوت صفارات الإنذار يدوي في كل مكان. الناس يركضون في الشوارع هاربين. كانت أمي تمسك أيدينا ونحن نحمل ما تبقى من أثمن ما عندنا… جنود يصرخون، أطفال يبكون، شيوخ بالكاد يسيرون، كان الشارع مليئًا بالناس من كل الفئات العمرية.
في طريق النزوح، جرت حادثة مؤلمة: كانت أم خمسينية تنادي ابنها الكبير الذي يجر أخاه المصاب، لم يستطع الابن أن يجيب أمه. في تلك الشمس الحارقة والجوع الذي يكاد يلتهم أحشائنا، انهار الابن بالبكاء، فانهارت الأم والشاب المصاب أيضًا. لم يكونوا يصرخون، بل كأنهم أطفال يبكون وخائفون في آن واحد.
في الحرب، لا سلاح للأبرياء عدا الهرب والبكاء. لا نهرب ونبكي لأننا ضعفاء، بل لأننا مخلوقات حية، نسمع، نتنفس، نشعر…
مر أسبوع ونحن في خيامنا. لم تدخل أفواهنا لقمة واحدة! الحصار أشتد على بلادنا، وصار كل شيء معدومًا، حتى إذا كنت تمتلك المال، فلن تجد شيئًا تشتريه.
كان آلاف الناس يموتون كل يوم مثل الخرفان، وبطريقة أبشع من أن يتحملها الخرفان. تقبلنا الموت، وصار جزءًا من حياتنا التي لا تستحق وصف حياة.
تذكرت اكبر وجع هزني موت اخي رحمه الله
بعد أيام، انتشر خبر بين النازحين أن على أطراف الحدود هناك طعام ومياه. لم تتردد أمي في الذهاب إلى الحدود مع جارتنا وآخرين، بينما بقيت أنا وأختي وأطفال آخرون لم يستطيعوا الذهاب. عندما عادوا، لم تعد أمي معهم. ركضت سريعًا لأستفسر من جارتنا عن سبب عدم عودتها، فقالت:
«لقد تعبت أمكِ في الطريق، فأخذتها إلى المستشفى، وقد أوصتني أن أعتني بكما جيدًا إلى حين عودتها.»
لكن قلبي لم يكن مطمئنًا لكلام جارتنا، وظللت طوال الليل أفكر بأمي ولم أنم. عادةً، لا أستطيع النوم بسبب الجوع أو التفكير في والدي، وكانت أمي تحتضنني وتطمئن قلبي. أما ذلك اليوم، فالوضع كان مختلفًا؛ لم أكن جائعة، فقد قدمت لنا جارتنا الطعام في الخيمة، ولكن شعرت وقتها بشعور أقسى بكثير، شعور الفقدان. كنت ولا زلت أشعر أنني تائهة دون أمي، ولا أقدر على فعل شيء.
مر أسبوع، ولم تعد أمي. كنت أعد الأيام والساعات والدقائق منتظرة عودتها. وكانت جارتنا، إذا وجدت لهم طعامًا، تعطيه لنا، وتوصينا بالاعتناء بأنفسنا. كنت أرى في عينيها نظرة غريبة، نظرة حزن وشفقة، ولم أكن مدركة ما قد جرى.
بعد مرور أسبوع، جاءت إلي في خيمتي ابنة جارتنا، والتي أصبحت صديقتي المفضلة. كانت تأتي يوميًا لتحضر لنا الطعام وتواسينا أنا وأختي.
وفي ذلك اليوم، الذي لا أتذكر تاريخه، جاءت إلينا حنين في الصباح وقالت:
«ريما، ريما، هناك أخبار خطيرة!»
أخبرتني وهي تلهف من شدة التعب.
قلت لها: «ماذا؟ ماذا جرى يا حنين؟» وقلبي ينبض بسرعة وأنا أتصبب عرقًا. ثم التفتت يمينًا وشمالًا، واقتربت وهمست في أذني:
«لقد سمعت أمي وجدتي بالأمس يتهامسان… الطفلتان في الخيمة المجاورة ماتت أمهما جوعًا قبل أن تصل، وقد أوصتني عليهما رحمها الله.»
توسعت عيناي، وكاد يغمى عليّ من هول ما سمعت، وسقطت على الأرض، ولم أدرك ما جرى بعدها…