قبل السقوط
3 دقائق قراءة · 500 كلمة
لم أولد قويًا…
لكنهم جعلوني كذلك. أو ربما أجبرت نفسي على ذلك حين لم يكن هناك خيار آخر.
في هذا العالم، لا أحد ينتظر الضعفاء.
ولا أحد يسأل كيف وصلت إلى ما أنت عليه. السؤال الوحيد الذي يهمهم هو: هل ما زلت واقفًا؟
وأنا… لم أكن فقط واقفًا.
كنت فوق الجميع.
المدينة كانت تعرفني، لكن ليس باسمي. كانت تعرفني بظلّي. ذلك الظل الذي يسبقني ويخنق أي صوت قبل أن يخرج.
حين أمرّ، تنخفض الأصوات تلقائيًا، تُغلق الأبواب بهدوء، وتختفي الأسئلة قبل أن تُطرح. لم أكن بحاجة إلى الكثير من الكلام. نظرة واحدة كانت تكفي لإنهاء نقاش، وإشارة بسيطة كانت كفيلة بتغيير مصير إنسان بالكامل.
كان هذا يرضيني… لكن ليس لأنني كنت أستمتع بالسيطرة، بل لأنني كنت أخاف الفوضى. والفوضى في ذهني لم تكن شيئًا عابرًا، بل بداية انهيار كل شيء.
كنت أؤمن أن الناس لا تحتاج إلى حرية كاملة، بل إلى من يمنعها من تدمير نفسها. وهكذا… أقنعت نفسي أنني ذلك الشخص.
أراقب، أقرر، أُصنّف… من يبقى ومن يُمحى، من يُسمح له أن يتكلم ومن يُدفن صوته قبل أن يتكوّن. وكنت أعيش بهذا الإيقاع وكأنه طبيعي.
في الاجتماعات كانوا ينظرون إليّ كأنني الحل الأخير لكل أزمة. إذا تعقّدت الأمور، كانت الجملة تتكرر دائمًا: “خلّوها لسليم.”
كنت أبتسم داخليًا كل مرة أسمعها. كانت تعطيني شعورًا بأن وجودي ليس مجرد سلطة… بل ضرورة.
كم كنت أخلط بين الضرورة والوهم.
أبي كان البداية الأولى لكل هذا.
لم يكن ضعيفًا، لكنه لم يكن قويًا بما يكفي ليحمي نفسه من الحياة. وهذا وحده كان كافيًا لأبني داخلي كرهًا للضعف.
أتذكره جالسًا بصمت طويل، عيناه معلّقتان بالأرض كأنها أخذت منه كل شيء. وأتذكر نفسي أراقبه من بعيد، وأقسم أنني لن أكون مثله أبدًا.
ولم أكن مثله… لكنني لم أكن شيئًا مختلفًا تمامًا أيضًا.
مع الوقت، بدأ كل شيء يبدو تحت السيطرة.
النظام مستقر، الأصوات محسوبة، والخوف منتشر بالقدر الذي يكفي ليحفظ الهدوء. كنت أرى ذلك إنجازًا.
إلى أن جاء ذلك اليوم.
لم يكن مختلفًا في شكله، لا شيء فيه كان يوحي بأنه بداية شيء جديد. اجتماع عادي، وجوه مألوفة، كلمات تُقال كما تُقال دائمًا دون تفكير.
إلى أن تكلم هو.
لم يرفع صوته، لم يتحدَّ، لم يحاول إثارة شيء. فقط نظر إليّ وقال بهدوء:
“الخوف اللي بنزرعه اليوم… رح يطلع فينا بكرا.”
ضحك البعض.
وتجاهله الآخرون.
أما أنا… فلم أضحك.
لأن شيئًا صغيرًا جدًا تحرّك في داخلي. شيء لم يكن صاخبًا، لكنه كان واضحًا بما يكفي ليزعجني. تلك الجملة لم تكن اعتراضًا… كانت مرآة.
وأنا لم أحب ما انعكس فيها.
منذ تلك اللحظة تغيّر إدراكي لكل شيء.
لم أعد أرى الطاعة فقط، بل بدأت أرى ما خلفها: تردد خفي، صمت غير مكتمل، وشيئًا يشبه الانتظار.
لم أعد أسمع الصمت كصمت، بل كغطاء لشيء آخر.
وكان ذلك مزعجًا أكثر مما توقعت.
لأول مرة، شعرت أن السيطرة التي بنيتها ليست كاملة كما كنت أظن. وأن هناك شيئًا يتحرك خارج نطاقي… ببطء، بهدوء، دون أن أستطيع الإمساك به.
كان عليّ أن أقرر.
هل أتركه ينمو؟
أم أقتله قبل أن يتحول إلى خطر؟
وكما اعتدت دائمًا… اخترت الحل الأسهل في نظري.
أن أنهيه.
لكنني لم أكن أعرف وقتها…
أن بعض الأشياء، حين تحاول قتلها… لا تموت.
بل تبدأ بالحياة فعلًا.