بعد السقوط
3 دقائق قراءة · 523 كلمة
لم أكن أؤمن بالنهايات.
كنت أراها ضعفًا متأخرًا… حكايات يختلقها من لم يملكوا الشجاعة ليكملوا الطريق حتى آخره. أما أنا، فكنت أظن أنني الطريق نفسه، لا من يسير عليه.
اسمي سليم الراوي.
أو هذا ما كان يُقال عني يومًا.
اليوم لم يعد أحد يناديني باسمي، ولا أحد يتوقف عنده. كأنه فقد قيمته كما تفقد الأشياء معناها حين تُسحب منها الحياة.
الصمت هنا مختلف.
ليس الصمت الذي كنت أفرضه على المدن حين أقرر أن تُغلق أفواهها. وليس الصمت الذي يسبق قراراتي الثقيلة في الغرف المغلقة. هذا صمت آخر… صمت لا يطيعني. صمت يتسلل داخلي، ويأكلني ببطء دون أن أستطيع منعه.
الجدران ضيقة وباردة، بلا صور، بلا خرائط، بلا أي شيء يشير إلى أن هناك خارجًا يمكن الهروب إليه. الغريب أنني لأول مرة لا أعرف كيف أسيطر على المكان… والأغرب أنني لأول مرة لا أشعر برغبة في ذلك.
كنت أظن أن السيطرة هي المعنى الحقيقي للقوة. أن تمسك بالخيوط كلها، أن تتحكم بكل صوت، بكل قرار، بكل نفس يخرج من الآخرين. أن لا تترك أي احتمال للفوضى، ولا أي فرصة للخروج عن المسار الذي ترسمه.
كنت أرى الناس أرقامًا تتحرك أمامي. بعضها يجب أن يهدأ… وبعضها يجب أن يُمحى. كانت المعادلة بسيطة إلى حد مخيف.
لم أكن أعتبر نفسي شريرًا. كنت أقول لنفسي إنني أحمي. أحمي الدولة، النظام، التوازن، الاستقرار… أحمي كل شيء، إلا الشيء الوحيد الذي كان يتآكل في داخلي بصمت.
أتذكر أول مرة أطلقوا عليّ لقب “النسر”.
كنت واقفًا في غرفة مليئة بالوجوه الصامتة، عيونهم معلّقة بي، لا تحمل إعجابًا، بل خوفًا متوازنًا بالحذر. حينها فقط شعرت بشيء يشبه النشوة… ذلك الشعور الذي يجعلك تظن أنك خارج حدود البشر.
أن تكون الشخص الذي لا يُعارَض… الذي لا يُسأل… الذي لا يُخطئ.
كم كان ذلك وهمًا أنيقًا… ومريحًا بشكل خطير.
لكن النسر لا يسقط في لحظة واحدة. هذه قصة يرويها الناس لأنهم لا يحتملون فكرة التدرّج. الحقيقة مختلفة… أكثر هدوءًا، وأكثر قسوة.
السقوط لا يبدأ من السماء.
يبدأ من الداخل. من فكرة صغيرة، من شك لا يُؤخذ على محمل الجد، من صوت خافت يقول: انتبه… ثم يتم تجاهله.
وأنا… لم أنتبه.
أول شرخ لم يكن في الدولة، ولا في النظام الذي بنيته أو كنت جزءًا منه. كان في داخلي أنا. في تلك المنطقة التي لم أكن أسمح لها أن تُسمع.
ليلة واحدة فقط كانت كافية لتجعل الرجل الذي كنتُه يبدو غريبًا عني، كأنني أنظر إليه من مسافة لا يمكن العودة منها. لم تكن صرخة، ولا خيانة، ولا مواجهة. كانت جملة واحدة… حقيقة واحدة، خرجت بهدوء، لكنها كسرت كل شيء دون ضجيج.
ومنذ تلك اللحظة بدأ كل شيء يسقط، ليس دفعة واحدة، بل بشكل لا يُرى إلا بعد فوات الأوان.
اليوم، وأنا هنا، لا أبحث عن تبرير، ولا أطلب رحمة.
أنا فقط أكتب… لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي بقي لي لأفهم ما حدث، أو لأتظاهر أنني أفهم.
تعلمت متأخرًا أن الصوت الذي كنت أخرسه في الآخرين، كان يجب أن أسمعه في داخلي منذ البداية.
سيقولون الكثير عني.
سيكتبون التاريخ بطريقتهم، ويصنعون مني صورة جاهزة: وحشًا، أو درسًا، أو خطأً يجب ألا يتكرر.
لكنهم لن يعرفوا الحقيقة كاملة.
لن يعرفوا كيف يبدأ السقوط حقًا.
وأنا… سأحكيها لهم.
من البداية.
من اللحظة التي ظننت فيها أنني لا أُهزم…
إلى اللحظة التي فهمت فيها، أن النسر لا يسقط وحده… بل يُسقطه ما كان يظنه تحت السيطرة دائمًا.