قلبان في عاصفة الظلامبقلم User 8238 فصل 2

همسات الظلال

7 دقائق قراءة · 1,381 كلمة

الفصل الثاني: همسات الظلال

مع مرور الليل، خمدت الأصوات في القرية واحدًا تلو. الآخر.

أُغلقت الأبواب، وانطفأت المشاعل، وبقي الضوء الوحيد ينبعث من نافذةٍ صغيرةٍ في نُزُل الجبل… حيث جلس إيرين وحيدًا أمام الموقد، يتأمل اللهب المتراقص.

كانت النيران تشتعل وتخمد كما لو كانت تتنفس…

في عينيه انعكست صور كثيرة — معارك قديمة، وجوه رحلت، ودماء لم تجفّ بعد في ذاكرته.

مدّ يده نحو السيف المستند إلى الحائط؛ قبض على قبضته السوداء التي تسري فيها تلك التعرجات الحمراء كأنها عروق حية، ثم همس بصوتٍ مبحوح:

"ما زلتَ تتنفس… حتى وأنت ساكن، أليس كذلك؟"

ارتجف اللهب لحظة، وكأن النار سمعت.

ثم خيّم الصمت.

في الخارج، كانت الرياح تمرّ على الغابات، تصدر صفيرًا طويلًا، فيه من الغموض ما يُشبه نداءً بعيدًا لا يسمعه أحد سواه.

رفع إيرين رأسه نحو النافذة، رأى فوق قمم الأشجار ضوءًا خافتًا يتحرك بين الظلال… ثم اختفى فجأة كما لو لم يكن.

ابتسم إيرين ابتسامة صغيرة متعبة، وقال بهدوء:

"إذن… بدأ الهمس من جديد."

ثم عاد لينظر إلى اللهب.

النار لم تكن تنطفئ… لكنها بدت، لوهلة، كأنها تخشى شيئًا قادمًا.

وفي مكانٍ ما، خلف الجبال،

كانت عيون تراقب القرية بصمتٍ منذ زمن… تنتظر هذه اللحظة

في أعلى الجبال، حيث الغيوم تتراقص فوق القمم كوشاحٍ أسود، كان هناك من يراقب.

لم يكن اسمه معروفًا، ولم يكن أحد يجرؤ على ذكره.

كانت عيونه تلمع كالجمرة المشتعلة بين الظلال، ونظراته تمتد بعيدًا عبر الغابات والأنهار، تبحث عن شيء… أو شخص.

يده كانت تغطي جزءًا من وجهه، وكأنه يخفي سراً من العالم كله، بينما أصابعه تتلاعب بسوارٍ قديم، محفور عليه رموز لم تُفك شفرتها بعد.

الصمت كان رفيقه الوحيد، إلا من صوت الريح بين الصخور الذي يشبه الهمس، همسٍ يحذر من قدوم شيء لم يُسمع من قبل.

قال بصوتٍ منخفض، أشبه بالوشوشة مع نفسه:

"لقد حان الوقت… ليبدأ كل شيء."

وفي مكان بعيد، كان الظل يلتفت نحو الغابة حيث تمتد أسوار القرية الصغيرة، عيناه تقيس كل حركة، كل وميض نار، وكل نبضة قلب.

كان يعرف أن هناك من يتحرك هناك، قلبٌ لم يعرف الاستسلام بعد، وسيفٌ لم يُرفع عبثًا.

ابتسم ابتسامة باردة، ثم اختفى في الظلام، تاركًا خلفه صدىً يرن في الصمت:

"ليشهدوا على القادم… لن ينجو أحد من القدر." مع أول خيوط الفجر، تسللت أشعة الشمس. الخافتة إلى القرية، فتلمّعت حبات الصقيع على الأسطح، وأصدرت أصواتًا دقيقة عند خطوات الصيادين المبكرة على الثلج.

لكن لم يكن ذلك الصباح عادياً… شيئٌ غريب يلوح في الهواء.

الطيور لم تغرّد كما اعتادت، والرياح كانت تميل إلى الصمت أكثر من حركتها المعتادة.

في الساحة، لاحظ بعض القرويين أن الدخان الخارج من مواقدهم يتلوى بطريقة غير مألوفة، وكأن الريح تحاول التسلل داخله قبل أن يصل إلى السماء.

ابتسم البعض محاولة طمأنة أنفسهم، لكن في أعماقهم، شعروا بشيء غير مألوف يختبئ بين الظلال.

وبينما كان إيرين يمشي بخطوات هادئة نحو النُّزُل، لم يدر أنه يُراقب.

في أعالي الأشجار، ظلّ صغير يتحرك بين الأغصان، عيناه اللامعتان تلتقطان كل حركة، كل همسة، كل نغمة.

كان يعرفه، رغم أن إيرين لم يره قط.

كان يعلم أنه قلبٌ قوي، لكن القدر سيختبره هذه المرة بطرق لم يتوقعها.

عاد إيرين ليرى جارينه يتبادلون نظراتٍ سريعة:

"هل شعرت بشيء؟"

"ربما… فقط الرياح."

ابتسم إيرين في صمت، وهو يشعر بشيء أشدّ من الرياح.

شيءٌ يهمس من بعيد، كما لو أن الظلال نفسها تتحرك في انتظار أن يُرفع الستار عن أول مشهد في لعبة لم يُكتب لها نهاية بعد.

وفي الغابة، بعيدًا عن القرية، كان الشخص الغامض الذي رآه من بعيد ليلة أمس يتابع تحركاته، متحركًا بين الأشجار بسلاسةٍ خفية، كأن الأرض نفسها تُفسح له الطريق.

همس لنفسه:

"قريبًا… لن يعرف أحد من أين تأتي الضربة، ولن يكون هناك من ينجو."

بينما كان إيرين يتجول في الأزقة الضيقة للقرية، لاحظ حركة غريبة عند أحد المنازل الخشبية القديمة على أطراف الساحة.

بابه نصف مفتوح، ورائحة دخانٍ قديم تتسلل منه، رغم أن صاحب المنزل كان خارجًا منذ الفجر.

اقترب بحذر، يراقب كل ظل وكل حركة، قلبه ينبض ببطء شديد لكنه ثابت، كمن يعرف أن شيئًا ما على وشك أن ينكشف.

فجأة، لامس نظره شيء يلمع على الأرض عند زاوية الباب… قطعة معدنية صغيرة، محفور عليها رموز غريبة لم يرها من قبل.

انحنَى ليأخذها، ولمسها، شعر برعشة خفيفة تسري في يده كما لو كانت تحمل رسالة غير مرئية، همسًا من الغموض نفسه:

"هذا… ليس صدفة."

ثم سمع صوت خطوات خلفه، استدار بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد.

الظلّ الطويل للشجرة على الجدار بدا كأنه يتحرك، يتراقص مع الريح… وكأن أحدهم يراقبه من بعيد.

ابتلع إيرين ريقه، شعر ببرودة غير عادية تجتاح جسده، وابتسم ابتسامة نصفية، كما يفعل من يعرف أن الخطر يقترب لكنه لم يظهر بعد.

قال في نفسه:

"الظلال تتحرك… وأنا سأكون جاهزًا حين تظهر."

وفجأة، ومن بين الأشجار على التلال المحيطة، لمحة سريعة لشيء يتحرك بسرعة، بعيدًا بما يكفي ليبقى غامضًا، لكنه كافٍ ليجعل القلب يخفق بقوة: رسالة من القدر، أو ربما بداية عاصفة لم تهب بعد.

بعد أن أمسك إيرين بالقطعة المعدنية الغريبة، شعر بأن الهواء حوله قد أصبح أثقل، وكأن الغابات نفسها تهمس باسمه.

كانت الرياح تدور بين الأشجار بعنف خفيف، تحرك أغصان الصنوبر، فتتساقط بعض حبات الثلج على الأرض، لكن الصوت الذي صدر منها لم يكن عادياً… كان أشبه بـ همسات بعيدة تحمل معنى، لا يسمعه إلا من لديه قلب متيقظ.

توقف إيرين، أمعن النظر في الغابة البعيدة، حيث اختفى الظل السريع الذي رآه سابقًا.

تساءل في نفسه:

"من هم هؤلاء الذين يراقبونني؟ وما سبب حضورهم هنا الآن؟"

في نفس اللحظة، بعيدًا عن القرية، كان الشخص الغامض يراقب تحركاته عبر نقطة عالية في الجبل.

وجهه لا يُرى بالكامل، لكن عيناه تلمعان كالجمر، ونظراته كانت دقيقة لدرجة أن كل حركة صغيرة في القرية لم تفلت منه.

وهمس لنفسه:

"اقترب الوقت… كل خطوة ستقربهم من القرار الذي لا مفر منه."

عاد إيرين إلى وسط القرية، وتحدث مع بعض القرويين عن أحداث غريبة لاحظوها خلال الصباح:

"هل لاحظتم أن الطيور لم تغرّد؟" سأل أحدهم.

"وكأن الغابة نفسها صامتة… والثلوج أكثر برودة من المعتاد.".

ابتسم إيرين ابتسامة هادئة لكنه خفية، قائلاً لنفسه:

"كل شيء يتحرك… وكل شيء يراقب. حتى الرياح تحمل رسالة لمن يريد أن يسمع."

ثم دخل النُّزُل ليشرب كوبًا من المشروب الدافئ، جلس في زاويته المفضلة، يراقب الجميع:

الأطفال يلهون، العجائز يهمسن بحكايات قديمة، والرجال يناقشون الصيد.

لكن في كل هذه الحياة اليومية، شعر إيرين بأن هناك خطًا خفيًا يصل بين كل هذه الأحداث، وبين الظلال التي تتحرك بعيدًا في الغابة.

ومرة أخرى، ارتفعت الرياح فجأة، حاملة معها رقائق الثلج التي تلمعت في ضوء الشمس الصباحية.

كان الإحساس واضحًا: شيء ما يقترب، شيء أكبر من القرية، أكبر من إيرين نفسه، وأكثر غموضًا من أي وقت مضى.

ابتلع إيرين ريقه، ولم يكن يعرف حتى الآن أن الرسالة المعدنية الصغيرة التي وجده لم تكن مجرد صدفة، بل كانت تلميحًا من القدر إلى ما سيأتي، تحذيرًا من قوة خفية تتحرك في الظلام، وتراقب كل من في الجبال والغابات والقرية على حد سواء.

في أعلى التلال، ظهر مرة أخرى الظل السريع، لكن هذه المرة كان أقرب، وكأن الشخص الغامض يختبر الحدود، يراقب، يبتسم…

"لن تكتشفوا حقيقتي حتى يحين الوقت… لكنني سأجعل كل خطوة لكم محسوبة."

مع اقتراب الظهيرة، شعر إيرين بأن الهواء في القرية قد تغيّر، وكأن الغابة نفسها ترسل إشارات خفية لا يراها إلا من يملك العين الثاقبة.

توقف عند حافة الساحة، أغمض عينيه لثوانٍ، واستمع… ليس للرياح أو لأصوات البشر، بل لهمسات غامضة تأتي من الغابة.

فجأة، شعر بنبض غريب يسري في يده اليمنى، كأن شيء ما يستجيب له داخل الدم.

القطعة المعدنية التي وجدها بالأمس بدأت تتوهج خافتًا، وكأنها تذكّره بشيءٍ قديم، ربما رابطه بخط قدره، شيء وراء الإمبراطورية نفسها.

نظر حوله، وعرف أنه لم يكن مجرد فتى من القرية، بل وريث قوة ربما مرتبط بمصير الإمبراطور نفسه.

فاليرين… الإمبراطورية العريقة، كانت تُدار من قبل رجل عظيم، لكن غموضه لم يكن أقل من الغابة.

إيرين تذكر لقاءً قديمًا، قبل سنوات، حين قابله أحد الحراس الإمبراطوريين في العاصمة:

"القصر لا ينسى أسمائك، إيرين… ومصيرك مرتبط بما قد يُكشف قريبًا."

شعر بارتعاشة خفيفة، وكأن قوة خفية تمر عبر جسده، تُحفّزه على الانتباه لكل حركة صغيرة.

ابتعد بضع خطوات نحو الغابة، وعيناه تتفحصان كل ظل، كل ارتعاشة في الأوراق المتساقطة.

ثم شعر بشيء… نفسه يرتبط بالغابة بطريقة لم يفهمها بعد. كان بإمكانه، بدون أن يحرك قدمًا واحدة، أن يعرف إذا كان هناك أحد يختبئ بين الأشجار، أو يتحرك في الظل البعيد.

ارتجفت أطراف يده اليمنى من الحماس والخوف معًا، وعرف أن هذه ليست مجرد إحساس عادي، بل بداية ظهور قدراته التي سيحتاجها لمواجهة ما سيأتي.

وفي تلك اللحظة، ارتفعت الرياح فجأة، وكأنها تحمل صدى الأصوات من القصر الإمبراطوري، حيث الإمبراطور نفسه لم يكن بعيدًا عن الأحداث.

قال إيرين بصوتٍ منخفض وهو يحدّق في الغابة:

"فاليرين… لم يعد البعيد بعيدًا. كل خطوة هنا ستصل إلى القصر… وكل خطوة هناك ستصل إليّ."