بداية ملحمة النهايه
3 دقائق قراءة · 548 كلمة
الفصل الأول: بداية النهايه
كانت الشمس تميل نحو المغيب ببطءٍ مهيب، تتوارى خلف قمم الجبال المكلّلة بالثلوج، تاركةً وراءها خيوطًا ذهبية تتراقص فوق نهرٍ متجمّد يعكس الضوء كمرآةٍ من بلّور.
القرية الصامتة عند سفح الجبل بدت كأنها حكاية منسية؛ منازلها الخشبية تتعانق على المنحدرات، ودخان المواقد يرتفع منها بخفوتٍ يختلط برائحة الخشب المبتل والبرد.
في الأفق، كانت الغابات تحيط بالمكان كجدارٍ من الأسرار، تمتد أشجار الصنوبر عميقة الجذور، وتهمس الرياح بينها بأصواتٍ تشبه النداء البعيد.
الهدوء لم يكن هدوءًا مطمئنًا، بل كان يحمل في عمقه شيئًا غريبًا… إحساسًا خفيًّا كأن الجبال تراقب، والثلوج تصغي، والليل القادم يحمل وعدًا لا يُقال.
وفي قلب تلك السكينة، كان إيرين كراون يقف عند حافة الوادي، يحدّق في غروب الشمس بعينين متعبتين.
ملامحه بدت صارمة كالنحت، شعره الأسود ينسدل على كتفيه وقد لامسته نسائم البرد، أما قلبه فكان غارقًا بين ذكرى قديمة وشعورٍ يرفض أن يُسمّى.
كان يسمع في داخله صوتًا قديمًا… ليس صوت إنسان، بل نداءً يشبه صدى بعيد من قدرٍ لم يبدأ بعد.
قال في نفسه:
"كم من الغروب مرّ عليّ، لكنّ هذا المساء… مختلف. كأن شيئًا في الجبال يتنفس باسمي."
ارتفعت الرياح فجأة، تنثر الثلوج حوله في دوامةٍ خفيفة، ثم خمدت، تاركةً وراءها سكونًا أعمق…
ومن بين الأشجار البعيدة، ظهر ظلّ غامض يراقب الوادي من بعيد، دون أن يتحرك.
كان الغروب قد اكتمل، ومعه بدأ القدر في التحرك ببطءٍ… كأن العالم نفسه يستعدّ لأن يُفتح على فصلٍ جديدٍ من الحكاية.
حين نزل إيرين من حافة الوادي إلى الطريق الحجري المؤدي إلى القرية، كانت الأصوات قد بدأت تعود ببطء إلى المكان.
ضحكات أطفالٍ يطاردون بعضهم فوق الثلج، صوت امرأة تنادي على ابنها من نافذة كوخٍ صغير، ووقع مطرقة حدّادٍ يطرق الحديد بإيقاعٍ منتظمٍ كنبض الحياة نفسه.
رائحة الخبز الساخن تتسلل من المخبز الخشبي القابع في منتصف الساحة، تمتزج برائحة الدخان، وتمنح القرية دفئًا لا يُشبه شيئًا.
مرّ إيرين بخطواتٍ هادئة، يردّ السلام بابتسامةٍ خفيفةٍ على وجوه من يعرفهم.
هنا، في قرية “إدلن”، يعرفه الجميع، لا باعتباره مقاتلًا، بل كالشاب الغامض الذي عاد من الحرب منذ عامين، يحمل نظرة من شهد ما لا يُروى.
كانت العجائز يتهامسن عند مروره:
"تقولين إنه سمع أصواتًا في الغابة لليالٍ ثلاث؟"
"همس القدر يا عزيزة، لا تعبثي مع من اختاره الجبل."
في ركن الساحة، جلس “جارين”، الشيخ العجوز صاحب متجر الأعشاب، يلفّ أوراقًا مجففة في قماشٍ بنيّ، ويراقب إيرين بنظرةٍ فاحصة.
قال له حين اقترب:
"الرياح تغيّرت يا فتى… أنا أشمّ في الهواء ما لا يُشبه الشتاء."
توقف إيرين لحظة، ثم ابتسم نصف ابتسامة وقال بهدوء:
"الشتاء لا يغيّر رائحته يا عم جارين، لكنّنا نحن من ننسى كيف نتنفسها."
ضحك الشيخ بصوتٍ مبحوح، وأجابه:
"ربما… لكن تذكّر، الجبال لا تنسى الأسماء التي نُطقت تحت صمتها."
مضى إيرين بعدها نحو النُّزُل الصغير في طرف القرية، حيث يجتمع الرجال كل مساء حول الموقد.
في الداخل، كان الجو دافئًا: أكواب الشراب تتبخّر، والقصص تُروى بضحكٍ وحماسة.
جلس في ركنٍ بعيد، يراقب الوجوه، يستمع إلى حديثٍ بين اثنين من الصيادين:
"الذئاب اقتربت مجددًا من التلال."
"ذئاب؟ لا يا رجل، ما رأيناه البارحة لم يكن ذئبًا… كان شيئًا أكبر، يتحرك بصمتٍ، لكن خطواته تُحدث رجفة في الأرض."
ساد صمت قصير، تبعه صوت النار وهي تلتهم الحطب.
رفع إيرين بصره نحو النافذة، حيث كان الليل قد ابتلع القرية، والثلج بدأ يتساقط ببطءٍ من جديد.
كان في عينيه بريق قلقٍ خافت، لم يعرف سببه بعد.
لكنّ قلبه، كما الجبال من حوله، كان يشعر بأن هذا السكون الجميل ما هو إلا هدوء يسبق العاصفه.