رؤية الأمواج
دقيقتان قراءة · 248 كلمة
في اليوم التالي، استيقظ فارس على صمت مختلف، صمتٍ غريب كأن الصحراء تتنفس ببطء أعمق من المعتاد.
كان الهواء حارًا، لكنه هذه المرة يحمل رائحة بعيدة، شيئًا يشبه الماضي دون أن يكون له تمامًا.
بدأ يتقدم بين التلال الرملية، عيناه تراقبان أدقّ حركة في الرمال، وأصغر تغيّر في الضوء.
وفجأة، ظهرت الأمواج من جديد… أو هكذا خُيّل له. هذه المرة كانت أوضح، تتحرك كأنها تتنفس، تتبدل ألوانها مع شروق الشمس وكأنها كائن حي.
توقف مذهولًا، يتساءل بصمت: أهي حقيقة؟ أم خداع يخلقه العقل في قلب الصحراء؟
كل موجة كانت تقول له شيئًا عنه؛ عن أخطائه، عن خيباته، وعن أملٍ ما زال مختبئًا بين طبقات روحه المتعبة.
تذكّر ليلى… تلك الطفلة التي تحمل ابتسامة صغيرة وعينين تبحثان دائمًا عن الحقيقة، عن فارس الذي لم يكتمل بعد في داخله.
شعر برغبة عميقة في حمايتها، في أن يبعدها عن كل ما عرفه من وجعٍ وصعوبات.
اقترب أكثر، ومد يده نحو الرمال المتحركة. وفجأة، أحس ببرودة غريبة تسري في أطرافه رغم حرارة الصحراء.
لم تكن الأمواج مجرد حركة في الرمل، بل انعكاسًا لكل ما تأخر عن فعله، لكل الكلمات التي ابتلعها الصمت، ولكل جرحٍ تركه الزمن مفتوحًا.
جلس من جديد، لكن هذه المرة بوعي مختلف، يراقب الصحراء كمن يراها لأول مرة.
لم تعد مجرد مكان للهروب، بل صارت مرآة قاسية تكشف ما فقده وما يمكن أن يصبح عليه في المستقبل.
ومع ارتفاع الشمس أكثر، أدرك أن خطوة واحدة فقط قد تغيّر مسار حياته… وأن هذه الأمواج، مهما كانت، لن تختفي، بل ستبقى تلاحقه لتذكره بما هو عليه، وما يمكن أن يصبح عليه.