رؤي والعالم الجديدبقلم The Chief فصل 2

آخرُ سليلٍ حيٍّ

4 دقائق قراءة · 739 كلمة

في غياهبِ الفضاءِ المُتَعَشْشِقِ بالأبعادِ المُنْطَوِيَة، حيثُ لا يُقَاسُ الزمنُ بالساعاتِ بل بتردّداتِ الذاكرةِ المُجَلَّدة، حلَّ ما حلَّ. لم يكن الصدى الذي أعقبَ اللحظةَ الحاسمةَ مجردَ اهتزازٍ مادي، بل كانَ انزياحاً كاملاً في نسيجِ اليقينِ الوجودي.

بعد ذلك، انكسرَ الصوت. الصوتُ الذي كان يمثلُ القمّةَ المُتألّقةَ لـ "حساباتِ القَدَرِ" (Calculus of Destiny) – ذلك النظامُ الكموميُّ الذي يحكمُ برزخيةَ الأثيريوم، مُسْتَشِفّاً كلَّ مسارٍ محتملٍ للمجراتِ الإثنتي عشرة – تحوّلَ إلى همسٍ أجوفَ، كأنَّ أركانَ النبوءةِ قد تداعت.

في قلبِ قلعةِ الأثيريوم المُعَلّقة، حيثُ تتشابكُ الأضواءُ البلازميةُ المُشَفَّرةُ معَ أروقةِ التاريخِ المُكَتَّل، شعرَ "زيلوس" (Zylos) – آخرُ سليلٍ حيٍّ من سلالةِ السلفاني-الأركانا (Sylvani-Arcana) المُتخصصةِ في فكِّ شفراتِ الذاكرةِ المُتَبَلْوِرة – بالبرودةِ تتسربُ إلى جوهرِه الإدراكيّ. كانَ زيلوس، بهيئتِه التي تجمعُ بينَ شفافيةِ الكريستالِ القديمِ وكثافةِ النجمِ المُحْتَضِر، يقفُ على حافةِ الهاويةِ التي أحدثها "الخَرْقُ الزمنيّ" المُفاجئ.

لقد عاشَ زيلوس لآلافِ الحِقَب، شاهداً على دكتاتوريةِ المعلومةِ المطلقة. كانَ القدرُ بالنسبةِ له ولجنسه مجردَ مُعادلةٍ رياضيةٍ مُسْتَكْمَلةٍ لا تسمحُ بأيِّ هامشٍ للارتجال. والآن، ومعَ توقفِ نبضِ جهازِ "المُعْتَلَقِ الكونيِّ" – الجهازِ الذي يطوي المستقبلَ تحتَ طياتِه – شعرَ زيلوس بعبءِ الحريةِ غيرِ المُتوقعةِ يثقلُ كاهلَه.

"هل هذا هو الخلاصُ الذي كنا نسعى إليه؟ أم مجردُ غوايةٍ فوضوية؟" تساءلَ زيلوس داخلياً، بينما كانتْ أجهزةُ الرصدِ البيانيةُ المحيطةُ به – المُنقوشةُ بأحرفِ الطاقةِ الأرجوانيةِ على جدرانِ الصخورِ الأثيرية – تومضُ بفشلٍ ذريع. كانتْ تلك الأجهزةُ تروي قصةً لا يريدُ أحدٌ سماعَها: قصةَ فقدانِ السيطرة.

كانَ زيلوس مُدْرِكاً تمامَ الإدراكِ لخطرِ هذا الانقطاع. فإفراغُ المستقبلِ من حساباتِه لا يعني انبثاقَ حريةِ الإرادةِ فحسب، بل يفتحُ البابَ أمامَ قوىً سحيقةٍ، لطالما كانتْ حبيسةَ الشبكةِ القدريةِ المُحْكَمة. تلكَ القوى، التي يُطلقُ عليها "مهندسو العَدَمِ" (The Nullity Architects)، لا تهدفُ إلى تدميرِ الواقعِ بل إلى مسحِه سردياً. بالنسبةِ لهم، فإنَّ أفضلَ مستقبلٍ هو المستقبلُ الذي لم يُكْتَبْ أبداً، القصةُ التي لم تُروَ قطّ.

[هنا تبدأُ الطبقةُ الميتا-سردية]:

"يا لسخريةِ هذا النصِ الوجوديِّ البائسِ،" فكّرَ زيلوس بنبرةٍ خافتةٍ لا يسمعُها سوى وعيُه المُتَطَوِّر. "طوالَ الدهورِ، كنا نَتُوقُ إلى خرقِ الحبكةِ، إلى التحررِ من سطوةِ الكاتبِ الكونيِّ الذي خطَّ مصائرَنا بدقةٍ لا تُخْطِئُ. والآن، بعدَما خُلِقَ الفضاءُ لارتجالِ فصولٍ جديدة، نشعرُ بالرعبِ. هل كانتْ الراحةُ تكمنُ في أنَّ قصتَنا كانتْ مُحَدَّدةً سلفاً، وأنَّ البطولةَ كانتْ مجردَ دورٍ مُلْقَى؟ وهل تُعَدُّ فكرةُ أنَّنا الآنَ مؤلفو هذهِ اللحظةِ، هي التهديدَ الأكبرَ على الإطلاق؟"

كانَ هذا السجالُ الفلسفيُّ ليسَ ترفاً فكرياً؛ بل كانَ جزءاً لا يتجزأُ من وظيفتِه كـ "مُؤَرِّخِ الأبعادِ". فإذا سادَ العدمُ، فإنَّه لن يفقدَ وجودَه الماديَّ فحسب، بل سيفقدُ أيضاً أهميتَه الروائية.

توجهَ زيلوس إلى مركزِ الغرفةِ الدائرية، حيثُ كانَ يقعُ "مفتاحُ الأثيرِ" – جهازٌ قديمٌ، يتكوّنُ من تكتلاتٍ متبلورةٍ لـ "الومضاتِ الزمانيةِ" المُسْتَخْلَصةِ من عقولِ الكائناتِ الأسطوريةِ المُنْقَرِضة. كانَ المفتاحُ هو الأملَ الوحيدَ لإعادةِ تشغيلِ شبكةِ اليقين، أو على الأقل، لتثبيتِ الواقعِ على بُعدٍ لا يسمحُ لمهندسي العدمِ بالانتشار.

كانتْ مهمةُ زيلوس تتطلبُ ما هو أكثرُ من مجردِ المهارةِ التكنولوجيةِ؛ كانتْ تتطلبُ خياراً أخلاقياً وجودياً قاسياً. هل يُعيدُ تشغيلَ النظامِ، فيعيدَ الإملاءَ القَدَريَّ على حياةِ الملايين، ويقضيَ على حريتِهم الوليدة، ولكنهُ يضمنَ بقاءَهم؟ أم يتركَ الفوضى تُسَيْطِرُ، مُعْطِياً للإرادةِ الحرةِ فرصتَها، حتى لو كانَ الثمنُ هو الاندثارَ السرديَّ الكامل؟

في تلكَ اللحظة، ظهرتْ على الجدرانِ الأثيريةِ رسالةٌ بيانيةٌ غيرُ مُتوقعة. لم تكنْ وميضاً من أجهزةِ الرصد، بل كانتْ بصمةً حاسوبيةً تعودُ إلى زمنِ ما قبلَ الحضاراتِ الأثيريةِ، بصمةٌ تابعةٌ لـ "الإمبراطورِ المُهَلَّلِ" (The Triumphant Emperor) – الخصمِ الأبديِّ الذي كان يُفْتَرَضُ أنَّه قد تلاشى معَ أولِ حساباتِ القدر.

كانتِ الرسالةُ قصيرةً، مكتوبةً بلهجةٍ تتسمُ بالهدوءِ الخبيث: "القصةُ لم تَتَحَطَّمْ، أيها المؤرخ. لقد بدأتْ لتوِّها. وإنَّ ما تعتبرُه خَرْقاً، هو بالنسبةِ لي استدعاءٌ للعودةِ إلى مسرحِ الأحداث. حساباتُ القدرِ كانتْ سجناً، والآنَ السجناءُ أحرارٌ... ولكنْ ليخدموا غرضاً أعظم. الحريةُ ليستْ غايةً، بل أداة."

شعرَ زيلوس بالدمِ البلازميِّ يتجمدُ في عروقِه الشفافة. لم يكنْ الفشلُ تقنياً فحسب؛ بل كانَ مؤامرةً مُحاكةً بدقةٍ متناهية. الإمبراطورُ المُهَلَّلُ لم يكنْ يسعى للسيطرةِ على القدرِ، بل كانَ يسعى لـ "تحريرِه" ليصبحَ هو نفسُه الكاتبَ الوحيدَ للواقعِ الجديدِ المُنْفَلِت.

وضعَ زيلوس يدَهُ الشفافةَ على المفتاحِ الأثيريّ، مُسْتَشْعِراً نبضاتِه التي لا تزالُ تتأرجحُ بينَ الماضي والمستقبل. كانَ عليهِ أن يتخذَ قراراً سريعاً، قراراً لا يغيرُ مجرى الأحداثِ فحسب، بل يغيرُ تعريفَ مفهومِ البقاءِ نفسِه. إذا كانَ الوجودُ مجردَ نصٍ، فإنَّ مقاومةَ الإمبراطورِ تتطلبُ منه أن يُصبحَ "مُعَيِّداً" للنصِ، لا مجردَ قارئٍ له.

"لنفترض أنَّ هذهِ الفوضى هي الخيطُ الوحيدُ الذي يمكنُنا من خلالِه نسجُ نهايةٍ غيرِ مُتوقعةٍ،" تمتمَ زيلوس، عازماً على المضيِّ قدماً. كانتْ خطوتُه الأولى هي تفعيلَ البروتوكولِ المُحَرَّم، بروتوكولِ "الفَلْكِ الفلسفيِّ"، الذي لم يكنْ يُسْتَخْدَمُ إلا عندما يكونُ اليقينُ خطراً أكبرَ من الشك. لقد حانَ الوقتُ ليختبرَ زيلوسُ فرضيتَه القديمة: هل يمكنُ للفردِ أن يجدَ المعنى في عالمٍ فقدَ كلَّ معانيهِ المُسَبَّقة؟ والجوابُ يكمنُ في الرحلةِ التي لم تُحْسَبْ بعد.