رائحة الماضي
دقيقتان قراءة · 228 كلمة
عمر جلس على حافة النهر، يتأمل المياه الهادئة التي تعكس لون السماء الرمادي، وكأنها مرآة لذكرياته التي لا تنتهي. الهواء البارد حمل معه رائحة التراب المبلل، وأعاد إلى ذهنه صورة جنى، ابتسامتها البريئة، ضحكتها الخجولة، وحتى كلماتها الصغيرة التي كانت تحمل أثرًا عابرًا في قلبه هو، بينما هي لم تكن تدرك أبدًا عمق ما يشعر به.
لم يكن مرور الوقت كافيًا لمحو أثرها، ولا المسافات الطويلة بينهما قادرة على طمس ما تركته في قلبه من حنين وألم. كان هو من يحمل الذكرى وحده، يفسّر اللحظات بطريقته، بينما جنى كانت تمر في حياته كحضور عادي، طبيعي، لا يحمل نفس المعنى الذي بناه في داخله.
تذكر اليوم الذي ودّعها فيه، حين قالت ببساطة: "عمر… أرجوك، افهم… نحن لسنا في نفس الطريق." لم يفهم حينها، وربما لم يفهم بعد، لكنه لم ينس كلماتها، ولا الطريقة التي تركته فيها مع مشاعر لم تُبادله.
جلس هناك، يراقب المياه وهي تجري بلا توقف، وفكر في كل اللحظات التي اعتقد أنه كان فيها قريبًا منها، بينما هي لم تدرك حجم مشاعره أبدًا. صمت طويل، فقط صوت النهر يملأ المكان، يهمس له أن الذكريات، مهما كانت من طرف واحد، تبقى محفورة في النفس، وتترك أثرًا لا يمحى.
عمر تنفس ببطء، حاول أن يهدئ قلبه، لكنه عرف أن هذا الحب لن يتركه أبدًا، وأن كل يوم يمر، كل لحظة صامتة، تضيف صفحة جديدة في هذا النهر العميق من الذكريات التي تشكل حياته، وتعلّمه معنى الألم، الحنين، والفقدان.