خيوط في الظلام
دقيقتان قراءة · 322 كلمة
لم يغادر المحقق أيمن موقع الجريمة الثانية فورًا. ظل واقفًا للحظات، ينظر إلى الزقاق الضيق وكأنه يحاول أن يسمع ما لا يُقال. الهواء كان ثقيلًا، والهدوء لم يكن طبيعيًا… بل بدا وكأنه متعمّد.
أعاد النظر في الورقة التي عُثر عليها:
"الساعة لم تتوقف… أنت من تأخرت."
تمتم بصوت منخفض: "رسالة مباشرة… لكن لماذا أنا؟"
عاد إلى قسم الشرطة، وأمضى ساعات يراجع تفاصيل الجريمتين. صور الضحايا، توقيت الوفاة، أماكن العثور عليهم، وكل تفصيلة صغيرة قد تحمل معنى. شيئًا فشيئًا، بدأ نمط خفي يظهر.
التوقيت.
كلا الجريمتين حدثتا تقريبًا في نفس الساعة… الثالثة وسبع عشرة دقيقة.
لكن ما لفت انتباهه أكثر، كان شيء آخر. الضحيتان لم تكونا مرتبطتين ظاهريًا… لا عمل مشترك، لا علاقات عائلية، لا حتى دائرة اجتماعية واحدة. ومع ذلك، هناك رابط… لا بد أن يكون.
"لا أحد يقتل بهذه الطريقة دون سبب"، قالها أيمن وهو يضغط على الطاولة بيده.
في تلك اللحظة، دخل أحد الضباط مسرعًا، ملامحه متوترة.
"سيدي… لدينا بلاغ جديد."
رفع أيمن نظره ببطء، وكأنه كان يتوقع ذلك.
"ماذا هذه المرة؟"
تردد الضابط قليلًا، ثم قال: "ليس جريمة… بل تسجيل."
"تسجيل؟"
"نعم… تم إرساله إلى بريد القسم قبل دقائق."
توجه أيمن فورًا إلى غرفة المراقبة. شُغّل المقطع، وظهر فيه مشهد ثابت لغرفة مظلمة، بالكاد تُرى تفاصيلها. ثم، بعد ثوانٍ، سُمع صوت مشوّش، منخفض لكنه واضح بما يكفي:
"خطوة أخرى… وستفهم."
انقطع التسجيل فجأة.
ساد الصمت في الغرفة، لكن عقل أيمن كان يعمل بسرعة. هذا لم يعد مجرد قاتل… بل شخص يلعب لعبة. لعبة تعتمد على الوقت، والرسائل، والضغط النفسي.
عاد إلى مكتبه، وأغلق الباب خلفه. جلس وحده، ينظر إلى الخريطة المعلقة أمامه. وضع علامتين على موقعي الجريمتين… ثم رسم خطًا بينهما.
"إن كنت تريد أن ألعب…" قال بهدوء، "فسألعب بطريقتي."
لكن في أعماقه، كان يشعر أن هذا الخصم ليس عاديًا… وأن كل خطوة قادمة قد تكون محسوبة سلفًا.
وقبل أن ينهض من مكانه، رن هاتفه مرة أخرى.
رقم مجهول.
تردد لثانية… ثم أجاب.
صوت بارد جاء من الطرف الآخر:
"هل بدأت تفهم الآن، أيمن؟"
اتسعت عيناه قليلًا، لكن صوته بقي ثابتًا:
"من أنت؟"
ضحكة خفيفة، ثم انقطع الاتصال.
بقي الهاتف في يده، لكن هذه المرة… لم يكن الشك هو المسيطر، بل يقين مخيف:
هو لم يعد يطارد القاتل…
القاتل هو من يقوده.