أول الغربة
دقيقتان قراءة · 268 كلمة
ياسر لم يكن يتخيّل أن الغربة بهذا الثقل. في أول يوم له في المدينة الجديدة كان كل شيء غريبًا؛ الشوارع واسعة أكثر من اللازم، والوجوه لا تنظر في عينيه، واللغة التي تُقال حوله تمرّ كأنها ضجيج لا يُفهم. حتى الهواء كان مختلفًا، بلا رائحة الأرض التي اعتادها.
في طريقه إلى المدرسة، كان يمشي وحيدًا، يحمل حقيبة أكبر من عمره، وكل خطوة كانت تبعده أكثر عن البيت الطيني، عن صوت الديك في الصباح، وعن ضحكات الأطفال بين الدجاج والبيض في السلال.
جلس في الصف لا يفهم ما يُقال، يكتفي بالنظر إلى اللوح والوجوه. يبتسم أحيانًا عندما يبتسم الآخرون، فقط ليبدو أنه موجود، بينما داخله كان هناك صوت واحد فقط: صوت القرية.
في الاستراحة، لم يقترب منه أحد، ليس قسوةً بل اختلافًا. وهو أيضًا لم يعرف كيف يبدأ الكلام، فاختار الصمت. وفي هذا الصمت عاد إليه كل شيء؛ الجرة عند البئر، رائحة الخبز على الحطب، الحسيرة تحت قدميه، وذاك الإحساس الذي لم يعد يجد له اسمًا… البركة التي كانت تملأ الأيام.
في المساء عاد إلى البيت الجديد، شقة صغيرة مرتبة لكنها بلا روح بالنسبة له. جلس قرب النافذة ينظر إلى الأضواء البعيدة في الشوارع، وكل ضوء كان يعيده إلى بيت هناك، في مكان بعيد، حيث كانت الحياة بسيطة لكنها كاملة.
أمه كانت تحاول أن تواسيه، تتكلم عن المستقبل والدراسة، وأن هذا المكان سيكون أفضل، لكنه كان يهز رأسه بصمت. كان يفهم كلامها لكنه لا يشعر به.
في الليل، عندما نام الجميع، بكى بصوت خافت لا يسمعه أحد. ليس لأنه حزين فقط، بل لأنه شعر لأول مرة أن شيئًا كبيرًا انقطع داخله… ليس بيتًا فقط، بل حياة كاملة.
وقبل أن ينام، همس لنفسه كما اعتاد: "سنرجع يومًا ما… ولو طال الطريق."