أيام الطفولة
دقيقتان قراءة · 282 كلمة
ياسر يجلس على شرفة شقته في الغربة، السماء رمادية والهواء بارد، ويده تمسك صورة قديمة من دفتر طفولته. عيناه تلمعان بالحنين إلى بيت الطين والحصيرة والدخان، وإلى طفولته في غزة، حيث كان كل شيء بسيطًا لكنه مليئًا بالأمان.
يتذكر صوت الديك في الصباح الباكر، ذلك الصوت الذي كان يوقظ القرية كلها على يوم جديد، ويتذكر ضحكات الأطفال بين الدجاج، والبيض في السلال، والأرض التي كانت مليئة بالحياة. كانوا يركضون حفاة دون خوف، كأن العالم كله لهم.
البيوت كانت متقاربة، جدرانها من طين، وأرضها مفروشة بالحصر، والدخان يتصاعد من المواقد مع أول خيط ضوء. رائحة الخبز على الحطب كانت تملأ المكان كأنها تعانق كل بيت في القرية. في الزوايا كان الدجاج يتحرك بهدوء، والماعز والخراف في الحظائر، تختلط أصواتها مع تفاصيل الحياة اليومية، فلا يشعر أحد بالغربة داخل بيته.
يتذكر الجرة الكبيرة عند البئر، والماء البارد كأنه قادم من قلب الأرض. ويتذكر دكانة القرية الصغيرة التي كانت تجمع الناس، للحديث والضحك وتبادل الأخبار. الحلاق في زاويته يعرف الجميع، والجدة تجلس قرب الباب تعد القهوة على نار هادئة وتحكي قصصًا لا تُنسى.
وكانت هناك بركة… ليست شيئًا يُرى، بل إحساس يسكن الأيام. في الوقت، في الضحك، في لمّة الناس، وفي بساطة الحياة. كانت تجعل القليل يكفي، والوقت أبطأ، والقلوب أكثر طمأنينة.
لكنها رحلت… دون أن نشعر، واختفى معها شيء كبير من روح الحياة. لم تعد الأيام كما كانت، ولا الضحكات، ولا بساطة الناس. كل شيء أصبح أسرع وأقسى، وكأن الوقت فقد روحه.
ياسر يشعر الآن أن العالم مليء بكل شيء، لكنه فارغ من الإحساس. لا أمان كما كان، ولا دفء كما كان.
ينظر إلى الصورة مرة أخرى، يمرر إصبعه عليها ببطء، كأنه يحاول أن يستعيد الطين وصوت الديك ولحظة واحدة من تلك الأيام.
ويهمس بصوت خافت، وعيناه تلمعان:
"سنرجع يومًا ما… ولو طال الطريق."