على مفترق طرقبقلم صدى القارئ فصل 2

صمت المفترق

4 دقائق قراءة · 755 كلمة

عندما وقف هناك، لم يعد الطريق يتقدّم، ولم يعد الزمن يملك الجرأة على الحركة، كأن اللحظة نفسها فقدت قدرتها على الاستمرار وتحولت إلى حالة معلقة بين ما كان وما يمكن أن يكون، بلا بداية واضحة ولا نهاية يمكن الوصول إليها.

كان كل شيء حوله قد تغيّر دون أن يتغيّر. المكان نفسه، والهواء نفسه، والسماء نفسها... لكن إحساسه بها لم يعد كما كان، كأن العالم بقي في موضعه بينما تغيّر المعنى الذي يراه به، فصار كل شيء مألوفًا وغريبًا في الوقت ذاته.

كأن المفترق لم يظهر في الأرض، بل في قوانين العالم نفسها، في الطريقة التي تُفهم بها الأشياء لا في شكلها فقط، وكأن الواقع قرر أن يعيد تعريف نفسه أمامه دون سابق إنذار.

الخطوات التي كانت خلفه اختفت تدريجيًا، لا كأنها ابتعدت، بل كأنها لم تُخطَ أصلًا، وكأن الطريق الذي جاء منه لم يعد دليلًا على شيء، بل احتمالًا باهتًا لا يمكن الاعتماد عليه.

صار الطريق الوحيد الذي عبره مجرد فكرة خلفه، لا أثرًا حقيقيًا، كأنه وُجد فقط ليقوده إلى هذه اللحظة، ثم انتهى دوره عند نقطة الاختبار.

أمام عينيه، لم تكن الطرق الثلاثة صامتة كما ظن. كان هناك شيء يحدث، شيء لا يُرى ولا يمكن الإمساك به، لكنه يترك حضوره في كل فراغ بين خيار وآخر.

اليسار بدا أهدأ مما ينبغي، كأن الصمت فيه ليس راحة، بل انتظارًا طويلًا يعرف مسبقًا من سيعود إليه، وكأنه طريق لا يبدأ من جديد، بل يعيد نفسه.

أما اليمين فكان يلمع بخفوت غريب، كأن الضباب لا يخفيه، بل يختبر من يحاول النظر إليه، وكأن كل محاولة لفهمه تغيّره بدل أن تكشفه.

وفي المنتصف كان الطريق ثابتًا على نحو مزعج، كأنه لا ينتظر أحدًا، بل يراقب من يتجرأ عليه. لا يقدّم شيئًا ولا يخفي شيئًا، بل يواجهك كما أنت، دون تجميل أو وعود.

ثم بدأ الصوت.

لم يكن صوتًا خارجيًا، بل شيئًا يشبه التذكّر، كأنه لا يأتي من الخارج بل من مكان أعمق من الوعي نفسه، من طبقة قديمة من الفهم لم يعد يستخدمها منذ زمن بعيد.

اليسار لم يناده بكلمات، بل بصورة؛ بيت قديم، وجه مألوف، وشعور بالدفء يعرفه لكنه لا يثق به تمامًا. شيء يشبه العودة، لكنه لا يحمل أي يقين بأنه الخيار الأفضل، بل يحمل فقط راحة ما قبل السؤال.

واليمين لم يتكلم أيضًا، بل فتح أبواب الاحتمالات. مدن لم يرها، ووجوه لم يعرفها، ونجاحات وسقوطات تتبدل كلما اقترب منها، كأن المستقبل هناك لا يختار شكله، بل ينتظر من يراه ليقرر ماذا سيكون.

أما المنتصف فلم يمنحه شيئًا؛ لا صورة، ولا وعدًا، ولا إغراءً. فقط شعورًا ثقيلًا، كأن الطريق يقول له:

"تعال إن كنت مستعدًا أن تفقد ما كنت تظنه عن نفسك."

وكأن الدخول إليه لا يعني إضافة شيء جديد، بل التخلي عن طبقة كاملة من الوهم.

ابتلع ريقه، لكن حتى هذه الحركة بدت مختلفة هنا، كأن جسده تأخر عن تنفيذ ما يأمره به عقله، وكأن العلاقة بين الفكرة والفعل لم تعد فورية كما كانت.

خطا خطوة صغيرة إلى الأمام.

فتوقف كل شيء.

ليس العالم... بل هو.

كأن الحركة لم تعد خارجية، بل داخلية، وتوقفها يعني توقف جزء من إدراكه نفسه.

حتى أفكاره أصبحت أبطأ، كأن المفترق بدأ يضغط على الداخل لا الخارج، يثقل المعنى قبل أن يثقل الجسد.

عندها سمع لأول مرة ما يشبه الصوت الحقيقي.

لكنه لم يكن صادرًا من طريق محدد، بل من داخله، من أماكن لا يزورها عادة في نفسه.

لم يكن صوتًا واحدًا.

بل عدة أصوات.

صوت يقول:

"اليسار يعرفك... لا تخف."

وصوت آخر يقول:

"اليمين قد يجعلك شيئًا لم تكنه من قبل."

وصوت ثالث، أخف من البقية لكنه أعمق أثرًا:

"وأنت... من أنت أصلًا؟"

تراجع خطوة.

وفي اللحظة نفسها شعر بشيء غريب، كأن الطرق الثلاثة اقتربت منه قليلًا، لا جسديًا، بل إدراكيًا، وكأن المسافة لم تعد في المكان، بل في الفهم.

بدأ يرى تفاصيل لم تكن موجودة قبل لحظات، وكأن كل طريق أخذ يكشف جزءًا من نسخة محتملة منه، لا مستقبلًا فقط، بل شخصية كاملة قد يصبحها إن اختاره.

اليسار...

نسخة مطمئنة، لكنها مكررة. تبتسم كثيرًا ولا تسأل كثيرًا، تعرف الإجابات لكنها لا تبحث عن الأسئلة.

اليمين...

نسخة واسعة العينين، متعبة من كثرة الاحتمالات، لا تعرف إن كانت وصلت أم ما زالت تبحث، كأنها تعيش كل شيء دون أن تستقر في شيء.

أما المنتصف...

فكان نسخة صامتة وعميقة، لكن عينيها لا تطلبان شيئًا من الحياة، بل تطلبان الحقيقة فقط، مهما كانت قاسية، وكأنها قبلت الثمن مسبقًا.

تجمّد في مكانه.

ولأول مرة لم يعد السؤال:

"أي طريق أختار؟"

بل صار أعمق من ذلك، كأنه يخرج من أعماقه دون إذن:

"أيُّ طريق يعني أنني مستعد لأن أعيش نسخته كاملة... مهما كانت نتائجه؟"

سكت المفترق.

وكأن السؤال لم يُطرح عليه وحده، بل على كل ما بداخله أيضًا.

ثقل الهواء.

وبقيت الطرق الثلاثة تنتظر.

لا حركة.

لا استعجال.

فقط انتظار هادئ...

كأنها تعرف أن القرار الحقيقي لا يُتخذ بالقدم، بل بشيء أعمق لا يُرى.