الطريق الوحيد
3 دقائق قراءة · 524 كلمة
لم يكن هناك شيء يسبق هذا الطريق؛ لا باب خلفه، ولا ذكرى واضحة لبداية حقيقية يمكن الإمساك بها أو تفسيرها. كأنه وُجد فجأة ليكون الامتحان الأول دون مقدمات، أو كأن الوجود نفسه قرر أن يبدأ من هذه النقطة دون أن يشرح السبب.
الأرض تحته لم تكن ثابتة تمامًا، لكنها أيضًا لم تكن خائنة بالكامل. كانت تتغير مع كل خطوة، كأنها تراقب نواياه أكثر مما تراقب وزنه، وكأنها تختبره قبل أن تسمح له بالاستمرار، خطوة بعد أخرى، دون أي ضمانات حقيقية.
أما الهواء فكان ساكنًا بشكل غير مريح، ساكنًا إلى درجة تجعله يسمع أفكاره بوضوح أكبر مما ينبغي، كأن الصمت هنا ليس فراغًا، بل ضغطًا خفيًا يدفعه إلى التفكير أكثر مما يريد، ويجبره على مواجهة نفسه دون أي تشتيت.
كان يمشي، لا لأنه يعرف إلى أين يذهب، بل لأنه لو توقف فسيضطر إلى مواجهة السؤال الذي يتجنبه منذ البداية:
لماذا أنا هنا؟
سؤال بسيط في شكله، لكنه ثقيل بما يكفي ليغير اتجاه كل ما يليه.
على جانبي الطريق، كانت الحياة تترك آثارها دون أن تعلن عن نفسها. أحيانًا حفرة صغيرة تجبره على تغيير خطوته، وأحيانًا حجر لا يراه إلا بعد فوات لحظة الانتباه، وكأن الطريق لا يعاقبه مباشرة، بل يعلمه بصمت أن لكل تأخير شكلًا مختلفًا من الألم.
لم يكن الطريق مستقيمًا تمامًا، لكنه كان طريقًا واحدًا، وهذا ما جعله يطمئن... أو يتوهم ذلك. فالوحدة في الطريق لا تعني الأمان، بل تعني ببساطة أنك لم ترَ الخيارات بعد.
ومع كل يوم يمر، كان يشعر أن الطريق لا ينقله من مكان إلى آخر فحسب، بل يعيد تشكيله من الداخل دون إذن. كان شيء ما فيه يتغير بصمت؛ أفكاره تصبح أثقل، ونظراته أقصر، وذاكرته تعيد ترتيب الأشياء بطريقة مختلفة، كأن الطريق لا يريد منه أن يتذكر من كان، بل أن يصبح شخصًا آخر دون أن يلاحظ لحظة التحول.
وفي لحظة لم يكن يتوقعها، تغيّر الهواء.
لم يحدث ذلك دفعة واحدة، بل كأن العالم قرر أن يخفض صوته تدريجيًا حتى أصبح كل شيء واضحًا بشكل مريب، واضحًا إلى درجة تثير القلق بدل الطمأنينة.
تقدم خطوة...
ثم توقف.
أمامه انفتح المكان.
لم يعد هناك طريق واحد.
بل ثلاثة.
وقف في مكانه، وكأن الزمن انسحب من حوله وتركه وحيدًا في منتصف القرار، بلا خلفية واضحة، ولا مستقبل يمكن الإمساك به، فقط لحظة كاملة تُطلب منه وحده.
إلى اليسار...
طريق يبدو هادئًا بشكل مخيف، كأنه يعرفه مسبقًا. لا يرحب به ولا يرفضه، بل يكتفي بالانتظار، كشيء مألوف أكثر مما ينبغي.
إلى اليمين...
طريق يغلّفه ضباب خفيف، لا يسمح برؤية أكثر من خطوة واحدة إلى الأمام، كأن المستقبل هناك موجود... لكنه يرفض أن يُفهم مسبقًا.
أما الطريق الأوسط، فكان مستقيمًا لكنه ضيق، كأن من يختاره لا يعود كما كان، بل يخرج منه شخصًا مختلفًا تمامًا؛ أقل راحة... وأكثر وضوحًا.
اقترب خطوة...
ثم أخرى.
لم تكن المشكلة في الطرق نفسها، بل في ذلك الشعور الغريب بأنه يعرف كل واحد منها بطريقة ما، رغم أنه لم يمر بها من قبل، وكأن المفترق لا يختبر قدميه فقط، بل يختبر ذاكرته، أو شيئًا أعمق من الذاكرة نفسها.
وقف في المنتصف تمامًا.
ولأول مرة منذ بدأ السير، لم يعد الطريق يطلب منه أن يمشي...
بل أن يختار.
وهنا فهم شيئًا لم يخبره به أحد من قبل:
هذا ليس مفترق طرق.
هذا مفترق نُسخ من الحياة.
وكل طريق هناك... لا ينتظره فقط، بل ينتظر الشخص الذي سيصبح عليه.