Couverture de قرن الشيطان قرن الشيطانde صدى القارئ Chapitre 1

فتنة اليمامة

3 min de lecture · 572 mots

لم تكن اليمامة يومها تعرف أنها ستدخل التاريخ من أوسع أبوابه. كانت الأرض تمتد تحت شمس قاسية، والقرى متباعدة، والقبائل تعرف أخبار بعضها أكثر مما تعرف أخبار البلاد البعيدة. ومع ذلك، كان خبر رجل واحد كافيًا ليغيّر كل شيء.

كان اسمه مسيلمة.

ظهر في اليمامة في زمنٍ كانت الدولة الإسلامية لا تزال في بداياتها، وبدأ يدعو قومه إلى تصديقه، ويقدم نفسه بصورة رجلٍ يأتيه الوحي. لم تكن المشكلة في رجلٍ يدّعي شيئًا فحسب؛ المشكلة أن رجالًا صدقوه، وأن قبيلةً كاملة وقفت خلفه.

ومع وفاة النبي ﷺ، اتسعت الفتنة. لم يعد الأمر مجرد دعوى رجل، بل صار تمرّدًا يهدد وحدة الجزيرة كلها. أرسل أبو بكر الصديق جيشًا بقيادة خالد بن الوليد، وانتهى الأمر بمواجهة كبيرة في عقرباء باليمامة، وهي المعركة التي عُرفت لاحقًا بمعركة اليمامة. تذكر المصادر التاريخية أن القتال كان شديدًا، وأن عددًا كبيرًا من المسلمين قُتل فيها، ومن بينهم عدد من حفظة القرآن.

لكن ما بقي من تلك المعركة لم يكن عدد القتلى وحده.

بقي السؤال.

كيف استطاعت الفتنة أن تدخل إلى عقول الناس بهذه السرعة؟ كيف يتحول رجل واحد إلى مركزٍ تتجمع حوله قبائل وأموال وسيوف؟

ولم تكن اليمامة آخر مرة يأتي فيها الاضطراب من جهة المشرق. بعد سنوات، ستظهر فتن أخرى، ثم أخرى. وستدخل الخلافات إلى السياسة والدين والقبيلة، وستُراق الدماء في أحداث متتابعة تركت آثارًا عميقة في التاريخ الإسلامي. ولهذا لم يكن الحديث عن المشرق والفتن مجرد حكاية قديمة بالنسبة لمن جاء بعد ذلك؛ فقد رأى الناس بأعينهم كيف يمكن لشرارة صغيرة أن تتحول إلى نار واسعة.

لكن هناك شيئًا أقدم من كل تلك الأحداث كان يثير سؤالًا مختلفًا.

قبل أن تقع هذه الفتن بسنوات طويلة، كان هناك حديث يتناقله أهل العلم عن إشارة نحو المشرق، وعن الفتنة التي يكون منها قرن الشيطان. والحديث ثابت في صحيح البخاري وصحيح مسلم، لكن العلماء اختلفوا في تحديد المقصود الجغرافي الدقيق بالمشرق ونجد وما يتصل بهما، ولذلك لا يصح اختزال المسألة في مدينة أو دولة واحدة.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

ليس لأن أحدًا امتلك خريطة سرية تحدد المكان، وليس لأن كل حادثة وقعت في الشرق يمكن أن تُنسب إلى ذلك الحديث، بل لأن التاريخ نفسه كان يكرر نمطًا غريبًا: فتنة تبدأ صغيرة، ثم يكبر أتباعها، ثم تدخل السياسة، ثم تصبح الدماء جزءًا من المشهد، وبعدها لا يعود أحد قادرًا على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

مرّت القرون. تغيرت أسماء المدن والقبائل والدول. سقطت دول، وقامت أخرى. لكن العبارة بقيت.

كلما عاد الناس إلى كتب الفتن، وجدوا المشرق حاضرًا في صفحاتها. وكلما عادوا إلى التاريخ، وجدوا أن أخطر الانقسامات لم تبدأ دائمًا بجيوش تتحرك، بل بدأت بفكرة، أو دعوة، أو رجل استطاع أن يقنع الناس بأن الحقيقة تقف في صفه وحده.

وفي زمننا هذا، لم يعد أحد بحاجة إلى الوقوف في سوق اليمامة حتى يسمع الدعوة. يكفي أن يفتح هاتفه. يكفي أن يسمع رواية واحدة، ثم رواية أخرى تناقضها، ثم مقطعًا يثير الغضب، ثم خبرًا لا يعرف إن كان صحيحًا أم كاذبًا. وهكذا، من دون سيف ولا حصان، يمكن للفتنة أن تقطع مسافات لم تقطعها الجيوش قديمًا.

في تلك الليلة، كان رجل يجلس وحده أمام شاشة مضيئة، يبحث في تاريخ اليمامة. لم يكن يبحث عن مسيلمة. كان يبحث عن شيء آخر.

عن الخيط الذي يربط بين الفتنة القديمة وما يحدث أمام عينيه الآن.

ظل يقلب الصفحات حتى توقف عند جملة قصيرة عن المشرق. قرأها مرة. ثم عاد إليها. وفي المرة الثالثة، لم ينظر إلى الكلمات، بل إلى التاريخ الذي جاء بعدها.

عقرباء.

ثم فتن أخرى.

ثم انقسامات.

ثم دول.

ثم حروب.

ثم عصر كامل لم يعد أحد يعرف فيه أين بدأت الحكاية.

أغلق الكتاب، لكنه لم يغلق الفكرة.

لأن السؤال الذي ظهر أمامه لم يكن:

أين يطلع قرن الشيطان؟

بل كان أخطر من ذلك بكثير:

ماذا يحدث عندما تتكرر الفتنة، لكن الناس هذه المرة لا يدركون أنهم يعيشون بدايتها؟