الشخص الذي احبهبقلم Daya فصل 1

البداية الصامتة

دقيقتان قراءة · 335 كلمة

كان حضوره يسبق خطاه دائمًا، كأن الهواء يعرفه قبله. طويل القامة، أسمر البشرة، يحمل في ملامحه توازنًا غريبًا بين القوة والطمأنينة. عيناه خضراوان، زجاجيتان، ليستا مجرد لون… بل نافذتان مفتوحتان على صدقٍ نادر، إذا نظر إليك شعرتَ أنه يراك حقًا، لا يراك عابرًا.

لم أقع في حبه دفعة واحدة. الحب عندي لم يكن صدمة، بل تسلّل بطيء. تسلّل كالمطر الخفيف الذي لا تنتبه له إلا حين تكتشف أنك ابتللت بالكامل. في البداية كان مجرد شخص مختلف؛ حنون في وقتٍ كان العالم فيه قاسيًا، لطيفًا حين كان الكلام الجارح أسهل من الصمت، قويًا بلا استعراض، كأن القوة عنده ليست رفع الصوت، بل احتواء اللحظة.

أكثر ما شدّني إليه طريقته في الحضور، لا يفرض نفسه، ولا يختفي. حين يتكلم، تشعر أن كلماته مرتّبة من الداخل، وحين يصمت، لا يكون صمته فراغًا بل أمانًا. كنت أراقبه من بعيد، أعدّ تفاصيله الصغيرة دون قصد: كيف يبتسم بعينيه قبل شفتيه، كيف يلين صوته حين يطمئن أحدًا، وكيف يبقى ثابتًا حين يضطرب كل شيء.

كانت هناك لحظات عابرة تترك أثراً غامضاً، لحظات تختصر سنين من التجارب في نظرة واحدة أو كلمة هادئة. كنت أجد نفسي أستمع لكل تفصيل، لكل حركة، وكأن قلبي يلتقط الإشارات الخفية التي لا يراها الآخرون. كل يوم كان يمر، أكتشف جانبًا جديدًا فيه، وأجد نفسي أكثر تعلقًا بما هو بسيط وعفوي.

في يومٍ عادي، لا يحمل تاريخًا مهمًا ولا ذكرى خاصة، فهمتُ الحقيقة. كنت أبحث عن شيء لا أعرف اسمه، وعندما نظرت إليه، عرفت. لم يكن الأمر اعترافًا ولا وعدًا، بل إحساس هادئ يقول: "هنا، يمكن لقلبك أن يستريح".

ومنذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء بهدوء. صرت أرى الأيام أقل قسوة، والأحلام أقرب، والخوف أضعف. لم أحبه لأنه كامل، بل لأنه حقيقي. لأن حنانه لم يكن تصنّعًا، ولطفه لم يكن ضعفًا، وقوته لم تكن قسوة.

هكذا بدأت الحكاية. بلا ضجيج، بلا إعلان. فقط قلبٌ تعلّم كيف يحب، وشخصٌ أصبح، دون أن يدري، الوطن الذي أعود إليه في داخلي. وكل يوم جديد معه كان يضيف فصلًا صغيرًا من السعادة الصامتة، من الأمان الذي لم أعهده من قبل، ومن شعور غريب بالراحة التي تأتي من مجرد وجوده بالقرب مني.