وَمَا أَنْت بِمُسْمِع ٍ مَنْ فِي القبوربقلم الكاتبه صــمــتـ تحت الظلال فصل 1

الحياة والموت في القرآن الكريم

4 دقائق قراءة · 643 كلمة

إن من أعظم الحقائق التي لا يختلف عليها اثنان أن الحياة والموت سنة من سنن الله تعالى في خلقه، فقد خلق الله الإنسان من عدم ثم أوجده في هذه الدنيا ليعبده ويعمر الأرض وفق منهجه، ثم جعل الموت نهاية لكل مخلوق على وجه الأرض. وقد تكرر ذكر الحياة والموت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة؛ لما لهما من أثر عظيم في تذكير الإنسان بحقيقة وجوده ومصيره.

لقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن الحياة الدنيا ليست دار بقاء، وإنما هي مرحلة مؤقتة يعيش فيها الإنسان زمناً محدوداً ثم ينتقل إلى الدار الآخرة، قال تعالى: (كل نفس ذائقة الموت). فالموت حقيقة لا يستطيع أحد الهروب منها مهما بلغ من القوة أو المال أو الجاه، وقد مات الأنبياء والرسل والصالحون والملوك والعظماء، وبقي وجه الله سبحانه وتعالى وحده.

وتظهر حكمة الله تعالى في خلق الحياة والموت من خلال قوله تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)، فالحياة ليست عبثاً ولا لهواً، وإنما هي ميدان للاختبار والعمل الصالح. فالإنسان في هذه الدنيا يمر بمراحل متعددة من النعم والابتلاءات، ويُطلب منه أن يعبد الله تعالى ويطيعه ويبتعد عن المعاصي والذنوب، حتى يكون من الفائزين يوم القيامة.

وقد اهتم القرآن الكريم ببيان أن الحياة الحقيقية ليست حياة الجسد فقط، بل هناك حياة أعظم وأشرف، وهي حياة القلب بالإيمان بالله تعالى. فالقلب المؤمن يكون حياً وإن كان صاحبه فقيراً أو مريضاً أو ضعيفاً، لأنه يعيش مطمئناً بذكر الله، راضياً بقضائه وقدره، متعلقاً بربه سبحانه وتعالى. أما القلب الغافل البعيد عن الله فإنه يكون ميتاً وإن كان صاحبه يتمتع بالصحة والقوة والمال، لأنه محروم من نور الإيمان ولذة الطاعة.

ومن هنا نفهم العلاقة بين الحياة والموت في المعنى الإيماني الذي جاء به القرآن الكريم، فليس المقصود دائماً بالحياة حياة الأجساد، ولا بالموت موت الأبدان فقط، بل قد يكون الإنسان حياً بجسده وميتاً بقلبه، وقد يكون القلب حياً بالإيمان وإن كان صاحبه يواجه صعوبات الحياة ومشقاتها. ولذلك وصف الله تعالى المؤمنين بأنهم أحياء بنور الإيمان، ووصف الكافرين والمعرضين عن الحق بأنهم كالأموات؛ لأنهم لا ينتفعون بالموعظة ولا يستجيبون للهدى.

وقد بعث الله تعالى الأنبياء والرسل لإحياء القلوب قبل إحياء الأجساد، فكانت رسالتهم دعوة الناس إلى التوحيد والإيمان والعمل الصالح. وقد واجه الأنبياء كثيراً من التكذيب والعناد من أقوامهم، ومع ذلك استمروا في دعوتهم وصبروا على الأذى. وكان هدفهم أن يخرجوا الناس من ظلمات الجهل والكفر إلى نور الإيمان والهداية.

إن التأمل في الحياة والموت يجعل الإنسان أكثر قرباً من الله تعالى، وأكثر استعداداً للقاء ربه، فالمؤمن يعلم أن الدنيا زائلة وأن الآخرة هي دار القرار. ولذلك يسعى إلى اغتنام عمره في الأعمال الصالحة، والمحافظة على الصلاة، وبر الوالدين، والإحسان إلى الناس، وقراءة القرآن الكريم، وذكر الله تعالى، لأن هذه الأعمال تزيد من حياة القلب وقربه من الله عز وجل.

كما أن تذكر الموت يربي في النفس التواضع ويبعدها عن الكبر والغفلة، فالإنسان مهما بلغ من المكانة والنجاح فإن مصيره إلى القبر، ثم إلى الحساب بين يدي الله تعالى. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بتذكر الموت لما فيه من موعظة وعبرة تدفع الإنسان إلى الاستقامة والعمل الصالح.

ومن أعظم الدروس المستفادة من الحديث عن الحياة والموت أن المؤمن ينبغي أن يحرص على سلامة قلبه، لأن القلب هو موضع الإيمان والتقوى. فإذا صلح القلب صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله. ولذلك كان القرآن الكريم يركز على إصلاح القلوب وتطهيرها من الشرك والنفاق والحسد وسائر الأمراض التي تفسد علاقة الإنسان بربه.

وفي ضوء ذلك يتضح أن الحياة الحقيقية هي حياة الإيمان والطاعة، وأن الموت الحقيقي هو موت القلب بالغفلة والإعراض عن الله تعالى. وهذا المعنى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقوله تعالى: (وما أنت بمسمع من في القبور)، حيث شبه الله تعالى الكافرين الذين أغلقوا قلوبهم عن سماع الحق بالأموات الذين لا يسمعون النداء ولا ينتفعون به، لبيان شدة إعراضهم وبعدهم عن الهداية.

وبذلك يتبين أن الحياة والموت في القرآن الكريم لا يقتصر معناهما على الجانب الحسي فقط، بل يشملان الجانب الإيماني والروحي أيضاً، وأن سعادة الإنسان الحقيقية تكون في حياة قلبه بالإيمان واليقين والارتباط بالله سبحانه وتعالى، حتى يلقى ربه بقلب سليم ويكون من أهل الفوز والنجاة يوم القيامة.