التأجيل الذي يسرق العمر
دقيقتان قراءة · 285 كلمة
ليس كل ما نخسره يضيع فجأة… بعضه يضيع بهدوء، ونحن نبتسم.
هناك عادة صغيرة تبدأ بلا صوت، بلا خطر واضح، بلا شعور بالذنب. اسمها “سأفعل ذلك لاحقًا”. تبدو بسيطة، مؤجلة، غير مهمة… لكنها مع الوقت تتحول إلى أسلوب حياة كامل.
تستيقظ وأمامك شيء مهم يجب أن يبدأ اليوم، لكنك تقول لنفسك: ليس الآن، الغد أفضل، الوقت مناسب لاحقًا. ثم يمر الغد، ويأتي غدٌ آخر، ويتكرر نفس الجواب. دون أن تلاحظ، لا يصبح هناك “وقت مناسب” أصلًا، بل عادة اسمها التأجيل.
المشكلة ليست في الوقت، بل في الفكرة التي تتسلل بهدوء: أن لديك دائمًا فرصة أخرى مضمونة. لكن الحقيقة أن الفرص لا تعلن رحيلها، ولا تُنذر بانتهاء صلاحيتها، هي فقط تختفي حين نتأخر عنها كثيرًا.
في البداية يبدو الأمر بسيطًا: مهمة صغيرة لم تُنجز، خطوة لم تُتخذ، حلم تم تأجيله ليوم آخر. ثم تتراكم هذه “الأيام الأخرى” لتصبح مسافة كبيرة بينك وبين الشخص الذي كنت تستطيع أن تكونه.
وفي لحظة صمت، تدرك أنك لم تفشل لأنك لم تستطع… بل لأنك لم تبدأ.
الأشياء التي نخافها لا تكون دائمًا صعبة كما نتخيل، أحيانًا فقط تحتاج بداية صغيرة، لكننا نضخم البداية في عقولنا حتى تصبح جبلًا لا يُصعد.
ومع الوقت، يتحول التأجيل من عادة إلى راحة زائفة. راحة لا تشبه الطمأنينة، بل تشبه الهروب الهادئ من مواجهة الذات.
ثم يأتي اليوم الذي تنظر فيه للخلف، فتجد أن الكثير من الأشياء التي كنت قادرًا عليها… أصبحت خلفك. ليس لأنها كانت مستحيلة، بل لأنك أعطيتها وقتًا أكثر مما تستحق، ومنحت نفسك فرصًا أقل مما تحتاج.
وهنا فقط يبدأ الفهم الحقيقي:
أن التأجيل لم يكن مجرد “تأخير”، بل كان اختيارًا خفيًا يغير شكل الحياة دون أن نشعر.
وفي نهاية كل ذلك، يبقى سؤال واحد عالقًا في الداخل:
كم من الأشياء الجميلة في حياتنا لم تُولد فقط لأننا لم نمنحها البداية الأولى؟