الحب الصادق
3 دقائق قراءة · 435 كلمة
الفصل الثاني: نبضٌ جديد
عادت بيلسان إلى بيت والدها، ودقّات قلبها تتسارع على نحوٍ لم تفهم سببه.
ذلك الخفقان الغريب لم يسبق أن شعرت به من قبل، ولم تكن تدري ما سره... أهو خوف؟ أم شيء آخر يشبه الفرح الخفي؟
كانت تشعر بشيءٍ جديد يسكن صدرها، إحساسٌ لم تعرف له اسمًا، لكنه جعلها تشعر وكأن في داخلها ربيعًا يتفتح على غير موعد.
جلست في غرفتها وحيدة، والصمت يملأ المكان. لم يكن هناك من يشاركها حديثها أو وحدتها.
لكن سرعان ما قطع خلوتها صوت أختها من خارج الغرفة تناديها:
"بيلسان! بيلسان! أين أنتِ يا أختي؟ حان وقت تحضير الطعام، تعالي قبل أن يعود والدنا من العمل!"
أجابت بيلسان بنبرةٍ ناعمة:
"حسنًا، قادمة حالًا يا أختي."
نهضت واتجهت إلى المطبخ، وبدأت بتحضير الطعام كعادتها كل مساء.
وفي تلك الأثناء، كانت خالتها قد عادت من المزرعة، بعد أن أنهت عملها في تفقد الأغنام والأبقار وإطعام الدجاج والمواشي، يساعدها في ذلك أبناؤها الصغار.
دخلت الخالة من باب الدار، ونادت بصوتٍ عالٍ:
"نور الهدى! نور الهدى! أين أنتِ؟"
أجابتها ابنتها من الداخل:
"نعم يا أمي؟"
"ماذا تفعلين الآن؟"
"لا شيء يا أمي."
"وأين بيلسان؟"
"إنها في المطبخ، تُحضّر الطعام."
ابتسمت الخالة وقالت:
"حسنًا، هذا جيد. وماذا تصنع لنا اليوم؟"
"لا أدري يا أمي، فهي لم تنتهِ بعد."
ضحكت الام قائلة:
"لا بأس، المهم أن نجد شيئًا لذيذًا على المائدة."
ثم سألتها:
"هل ذهبتِ اليوم إلى بيت أحدٍ من أعمامك؟"
"لا يا أمي، لم أذهب."
"حسنًا إذًا، سأزور زوجة عمّكم عامر لأطمئن عليها وعلى أطفالها. ابقي أنتِ وإخوتك في المنزل، لا يخرج أحد، مفهوم؟"
"أمرك يا أمي."
خرجت الام متجهةً إلى بيت سلفتها، وعندما اطمأنّت عليها، عادت إلى بيتها قبل أن يعود زوجها من عمله.
فتح الأب الباب بعد يومٍ طويل من التعب، وصوته يملأ الدار قائلًا:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
تجمّع الأولاد حوله كعادتهم، يقبّلون يديه ووجنتيه، وهم يضحكون بفرحٍ طفولي.
كانت بيلسان بين إخوتها، وقدّمت له الماء بيدٍ مرتجفة من الحياء، بينما نظراته المليئة بالحنان تُنسيه تعب اليوم كله.
فرحت الأم بمنظر زوجها وأولادها، فقد كانت تلك اللحظات ثمرة تعبها وتربيتها لهم على المودة والاحترام.
اقتربت من زوجها بابتسامةٍ دافئة وقالت له:
"الحمد لله على السلامة، يا نور داري ووالد أطفالي، اشتقنا إليك... البيت لا يساوي شيئًا بدونك."
ابتسم الرجل ونظر إليها بحبٍ صادقٍ وقال:
"والبيت لا يساوي شيئًا أيضًا بدونك، فأنتِ نوره وفرحه يا عزيزتي."
ابتسمت الزوجة بخجلٍ وسعادة، والتفت الأطفال نحو والديهم يضحكون ببراءةٍ ودفء.
وفي تلك الأجواء المليئة بالمحبة، كانت بيلسان وأختها نور الهدى تجهّزان العشاء لوالدهما المتعب بعد يومٍ حافل بالعمل.
وبعد أن انتهوا من تناول الطعام، جمعت بيلسان المائدة ورتّبت المطبخ حتى عاد كل شيء إلى مكانه.
ثم ذهبت إلى غرفتها، أطفأت المصباح، واستلقت على سريرها، بينما الأفكار تدور في رأسها، وصوت قلبها لا يزال ينبض بتلك الدقات الغامضة التي لم تجد لها تفسيرًا.
هدأ البيت وسكن ليله، وغفت العائلة بأكملها في طمأنينةٍ ودفءٍ جميل...
إلا بيلسان، فقد كان قلبها لا يزال مستيقظًا، يحدّثها عن وجهٍ لم تعرفه، لكنه ترك في داخلها أثرًا لا يُنسى...