ظلال الهدوءبقلم User 8425 فصل 1

البارت الأول: حديقة الصمت

6 دقائق قراءة · 1,153 كلمة

لم تكن سيرين تعرف بالضبط ما الذي يدفعها كل صباحٍ إلى تلك الحديقة المنسية عند أطراف البلدة، لكنها كانت تشعر أن المكان يعرفها أكثر مما تعرف نفسها.

كل شيءٍ هناك بدا مألوفًا رغم أنه غريب

الأشجار المتشابكة التي تُلقي ظلالها على الممرات،

العشب الرطب الذي تلمسه بأناملها لتتأكد أنها ما زالت في هذا العالم،

وصوت الريح الذي يمرّ على وجهها كأنما يهمس بأسرارٍ لا تجرؤ على سماعها كاملة.

كانت تحب الأماكن الهادئة المكتظة بالتفاصيل الهدوء عندها ليس فراغًا، بل امتلاءٌ خفيّ بالمعاني.

كل زهرةٍ تتفتح قربها، وكل فراشةٍ تحوم أمامها، كانت تراها ككلمةٍ في كتابٍ كبير لم تنتهِ من قراءته بعد.

جلست على المقعد الخشبي الذي صارت تعرف خشونه عن ظهر قلب، وقد خطّ عليه الزمن أثره.

وضعت حقيبتها الصغيرة إلى جانبها، وأخرجت دفتراً بغطاءٍ جلديٍّ باهتٍ، تكتب فيه منذ سنوات دون أن تجرؤ على قراءة ما كتبته ذات يوم.

كانت الكتابة لها مثل الحديث مع شخصٍ يسكن داخلها شخصٍ يعرفها أكثر مما يجب.

رفعت رأسها نحو السماء الرمادية، كانت الغيوم تتزاحم ببطء كأنها تفكر قبل أن تمطر.

قالت بصوتٍ خافتٍ بالكاد يُسمع:

"أحيانًا أشعر أن الغيوم تشبهني... هادئة من الخارج، وممتلئة بالعواصف في الداخل."

ضحكت بخفوت، ثم استمعت لصوت العصافير البعيد وهي تتنقل بين الأغصان.

وفي تلك اللحظة، مرّت فراشة بيضاء أمام وجهها، دارت دورة صغيرة حولها، ثم استقرت على طرف دفاترها.

تأملتها طويلاً، ثم همست:

"حتى الفراشات تعرف الطريق إليّ."

لكن الهدوء لم يدم طويلاً.

من بين الأشجار، لاحظت حركة خفيفة، لم تكن ريحًا ولا ظلاً.

ومن بين أوراق الخريف، ظهر ثعلب صغير، بلونٍ نحاسيٍّ يميل إلى الذهبي.

وقف على بُعد خطواتٍ منها، ينظر إليها بعينين لامعتين كأنهما تعرفانها منذ زمن.

لم تشعر بالخوف، بل بشيءٍ يشبه الألفة القديمة.

كانت نظراته ثابتة، غريبة، وكأنها تقول شيئًا لا يُقال بالكلمات.

اقتربت منه بخطواتٍ بطيئة، لكنّه لم يتحرك.

قالت وهي تبتسم:

"من أين أتيت؟ لم أرَ مثلك هنا من قبل."

لم يجبها طبعًا، لكنه حرّك رأسه بخفةٍ نحو الجهة المقابلة للحديقة، نحو الممر المظلم الذي لم تجرؤ على دخوله يومًا.

شعرت أن قلبها يخفق بشيءٍ يشبه الخوف والفضول معًا.

هل يحاول أن يقودها إلى هناك؟

وقبل أن تقترب أكثر، سمعت الصوت

صوتٌ خافت، قادم من بين الأشجار، كأنه صدى قديم يعود من زمنٍ نسيته.

"سيرين... لقد تأخرتِ كثيرًا."

تجمّدت في مكانها.

الريح توقفت فجأة، حتى الأوراق الساقطة بدت معلقة في الهواء.

الثعلب نظر نحو الظلال، ثم نحوها.

كان في الصوت شيء مألوف جدًا، لكنه لم يكن صوتًا بشريًا عاديًا...

كان كأنه يأتي من داخل عقلها.

تراجعت خطوة، ثم جلست على الأرض وهي تضع يدها على صدرها.

كل شيء حولها تغيّر؛ الألوان بدت أكثر تشبعًا، الهواء صار أثقل، والعالم بدا وكأنه يراقبها من بعيد.

أغمضت عينيها، وبدأت رؤى مبعثرة تومض في رأسها:

طفلة تركض وسط حقلٍ من الورود...

امرأة ترتدي عباءة بيضاء تقف على تلٍ وتلوّح بيدها...

وثعلبٌ أكبر حجمًا من المعتاد يقف بجانبها، يراقبها بعينين ذهبيتين.

فتحت عينيها بسرعة، فاختفى كل شيء.

لا المرأة، لا الحقل، لا الصوت...

فقط هي، والحديقة، والفراشة، والثعلب الصغير الذي ما زال واقفًا هناك.

رفعت رأسها نحوه وسألت بخفوت:

"هل كنتَ هناك أيضًا؟"

لم تتحرك شفتاها تمامًا، لكنها شعرت أن الإجابة وصلتها بطريقةٍ لا يمكن تفسيرها.

ذلك اليوم، عرفت سيرين أن شيئًا ما بدأ يتغيّر في حياتها شيئًا كان نائمًا داخلها واستيقظ أخيرًا.

وحين نهضت لتعود إلى بيتها،

كانت الريح قد عادت للغناء،

لكنها أقسمت أنها ما زالت تسمع ذلك الصوت من بعيد يهمس:

"كل ما فقدتِه... ينتظركِ خلف الظلال."

استيقظت سيرين في صباح اليوم التالي على شعورٍ غريب لم تعرفه من قبل، كأن المدينة نفسها قد تغيّرت أثناء نومها.

الضوء الذي ينسكب من النافذة لم يكن كالمعتاد؛ كان يميل إلى الأصفر الباهت، يشبه شحوب الورق القديم، ويبدو أن كل شيء حولها أكثر حدةً، وكأن الغرفة تحاول أن تُخبئ شيئًا أو تُنذرها بشيء.

جلست على السرير، تنظر إلى زاوية الغرفة حيث كان الثعلب النحاسي يقف في ذاكرتها منذ الليلة الماضية.

ابتسمت بصوتٍ خافت، لكن قلبها لم يهدأ:

"لماذا لازلت أفكر بك؟"

لم يجبها أحد، ولم يكن هناك ثعلب على أرض الغرفة بالطبع، لكن إحساسها بأن شيئًا يراقبها بقي ثابتًا، يضغط على صدرها كما لو أن الهواء أصبح أثقل.

ارتدت ملابسها ببطء، تحاول أن تجعل صباحها طبيعيًا.

لكن لم تمض دقائق حتى لاحظت أولى التغيّرات الغريبة:

المطبخ، الذي كان مرتبًا دائمًا، بدا مختلفًا.

كأن الأواني تحركت من مكانها في الليل، وكأن أحدهم دخل إلى الغرفة حين كانت نائمة، ولم يترك أثرًا سوى إحساسٍ غريب بالوجود.

رفعت يدها لتلمس الطاولة، لكن شعرت بالقشعريرة تمرّ في عمودها الفقري.

"لا بد أنني أتخيل..." همست.

لكن عينيها لم تخدعها. خيوط خفيفة من شعرها على الطاولة كانت مقلوبة بشكل غير مألوف، وكأنها لم تكن موجودة هناك سابقًا.

قررت الخروج إلى الحديقة، كما اعتادت، محاولةً أن تجد العزاء بين الورود والفراشات.

لكن الخارج كان مختلفًا أيضًا.

السماء رمادية أكثر من المعتاد، الريح هادئة بشكل مريب،

والحديقة التي اعتادت سيرين على هدوئها الآن بدت كأنها تتوق لمشاهدة شيء.

بين الأشجار، لمحت الثعلب النحاسي مرة أخرى.

وقف هناك، يحدق بها بعينين ذهبيتين، لكن هذه المرة، لم يكن وحيدًا.

ظلّ غامض آخر يتحرك بين الشجيرات، لم تستطع تحديد ما هو رجل أم امرأة، أم مجرد ظل؟

اقتربت سيرين ببطء،

سألت بصوتٍ مرتجف:

"من هناك؟"

لم يكن هناك إجابة فورية.

لكن الثعلب أدار رأسه نحو الظل، ثم عاد لينظر إلى سيرين بعينين كأنهما تقولان:

"تعالي، لا تخافي."

اقتربت قليلاً، وكل خطوة تشعر بأنها تخطو على حدود غير مرئية بين العالمين بين الواقع والغموض.

الظل توقف فجأة، ثم سمعته يقول بصوتٍ مبحوح، وكأنه يأتي من بين الأشجار:

"لقد رأيتِ ما لا ينبغي رؤيته، سيرين..."

ارتجفت، لكن الفضول دفعها إلى الاقتراب أكثر.

"من أنت؟ وماذا تريد مني؟"

الصمت كان إجابة طويلة، فقط خرير خفيف للأوراق تحت أقدام الظل، ثم نظرة قصيرة من الثعلب، وكأنها تقول:

"سيرين، اتبعي حدسك."

مشيت قليلاً خلف الثعلب، والظل يتبعها من بعيد.

كل شيء حولها بدأ يتغير ألوان الورود أصبحت أشد حدة، الفراشات التي كانت تتطاير حولها بدت أكبر وأكثر وضوحًا، وكأنها كائناتٍ ترصدها وتنتظر أن تفعل شيئًا ما.

تذكرت الليلة الماضية، تلك الرؤى: الطفلة في الحقل، المرأة بالعباءة البيضاء، الثعلب الكبير.

تساءلت بصوتٍ منخفض:

"هل أنا أحلم مرة أخرى؟ أم أن هذه الحقيقة بدأت تتشقق؟"

ثم رأت الظل يقترب أكثر، وأدركت فجأة أن صوته يقترب من ذهنها أكثر من كونه قريبًا جسديًا:

"كل خطوة تخطينها، كل تفكير تخافينه، نحن نعرفه..."

قلبها خفق بسرعة، لكنها لم تتحرك.

الثعلب وقف أمامها، فخفضت عينيها نحوه وهمست:

"هل أنت صديقي؟"

رفع رأسه، ثم أومأ كما لو أنه يفهمها تمامًا.

ثم أدار رأسه نحو الممر المؤدي إلى جزء من الحديقة لم تجرؤ على دخوله من قبل، وقال بصوتٍ خافت لكنها شعرت به في قلبها:

"تعالي."

بدأت تمشي، والخوف والفضول يتناوبان داخلها،

وفي كل خطوة، تسمع خفقات قلبها تتزامن مع همسات الريح:

"سيرين... كل ما حاولت نسيانه يعود الآن."

في منتصف الممر، لاحظت رموزًا غريبة محفورة على الشجرة الكبيرة خطوط رفيعة تشبه نقوشًا قديمة.

اقتربت، ولمستها بأصابعها:

دفء خفي يخرج من النقوش، وشعور بأن كل شيء يعرفها، أكثر مما تعرف نفسها.

ثم، فجأة، انطلقت صوت خافت من الظل، قريب جدًا من أذنها:

"الخوف لن ينقذك، سيرين... إلا إذا تعلمت أن تستمع."

انخفضت، قلبها يكاد ينفجر، لكن الفضول أقوى.

قررت أن تدخل عالم الظلال أكثر، عالم يبدو أن كل شيء فيه يحاول أن يخبرها بشيء دفين عن نفسها، عن الماضي الذي لم تتذكره، وعن مستقبل لم تدركه بعد.

حين وصلت إلى نهاية الممر، وجدت بابًا خشبيًا صغيرًا لم تره من قبل، نصف مخفي بين الأشجار.

الثعلب جلس أمامه، ينظر إليها بنظرة صارمة لكن مليئة بالثقة.

"هنا... كل شيء سيبدأ."

سيرين شعرت بارتجاف في قلبها، لكنها أخذت نفسًا عميقًا، ومدّت يدها نحو المقبض.

وفي اللحظة التي لمست فيها الباب، رأت ظلها في انعكاس خفيف على الخشب... لم يكن ظلها وحده، بل ظل يحمل ملامح امرأة تعرفها لكنها لم تراها من قبل.

ابتلعت ريقها، وعرفت أن حديقة الصمت لم تعد مكانًا مألوفًا،

بل أصبحت بوابة لعالمٍ يبدأ فيه كل شيء بالتكشف، حيث الأسرار تنتظر أن تُكتشف، والظلال تهمس باسمها قبل أن تعرفه هي نفسها.