ذات مرة في حديقة مابقلم AR4 فصل 2

بذور اللعنة

3 دقائق قراءة · 498 كلمة

(أنتِ مَن بَدأتِ وأنتِ سَوفَ تَنهِين)

* * *

هيام، فتاة في التاسع عشر من عمرها، لا توجد كلمة تصفها بدقة سوى أنها فضولية.. فضولية إلى أبعد الحدود.

كانت هناك حديقة شبه مهجورة، لا تضج بالمارة كباقي الحدائق، بل يميزها سكون غامض. وفي وسط ذلك الانعزال، كانت هيام غارقة في حب ذلك المكان، تتخذه ملاذاً تتأمل فيه زقزقة العصافير، وتعتبره "دفتر تدوين" تستقر فيه أفكارها وتهدأ. لكن هذا الهدوء المؤقت كان يخفي خلفه صراعاً دام سنين، حملها ببطء نحو ما يسمى.. التهلكة...

* * *

في يوم خريفي، وبينما كانت هيام تراقب تمايل الأغصان وتطاير الأوراق الصفراء التي أعلنت عن رحيل الصيف، وقعت نظراتها على شيء غريب يتوسط الحديقة. قادها فضولها لتقترب وتستكشف ما هذا.

كان كتاباً متهالكاً، قديماً، غلافه أسود مزين بخطوط ذهبية باهتة. التقطته من الأرض، ونفضت عنه الغبار وهي تتمتم باستغراب:

-غريب! من الذي قد ينسى كتاباً كهذا هنا؟

منظر الكتاب لا ينتمي لعصرنا، وكأنه سقط للتو من بوابة زمن قديم. ضحكت بخفة وهي تتصفحه قائلة:

-من يملك مثل هذا الكتاب الغريب؟

لم يقاوم فضولها فكرة إلقاء نظرة خاطفة، فحدثت نفسها: ولِمَ لا؟

فتحت الكتاب، فكانت الصفحات الأولى فارغة، مما أصابها ببعض الخيبة، فظنت أنه مجرد دفتر رسم قديم. وبينما كانت تقلب الأوراق الميتة، لمحت ورقة يتوسطها كلام مكتوب بحبر أسود سائل، بخط متعرج:

"صحراء قاحلة، شمسٌ ناحلة، نسماتٌ راحلة."

ما إن نطقت بالكلمات، حتى تبدل الكون! هبت ريح حارقة محملة بالرمال، فرفعت رأسها بسرعة لتجد نفسها وسط صحراء قاحلة، وعلى يمينها بئر مرصع بالطابوق الأسود الكئيب. صرخت صرخة كاد قلبها أن يتوقف بسببها.

وفي وسط هلعها، انبعثت زمجرة مرعبة من قاع البئر. حاولت تمالك نفسها، لكن صوتاً من الأعماق نطق بغضب حازم:

— "من قال لكِ سرنا؟.. إنه لا يعرفه غير بئرنا!"

بصوت متقطع من الخوف أجابت:

-لا أعلم.. لا أعلم! ظننتها مجرد جملة عابرة في كتاب..

قاطعها صاحب البئر بنبرة تجمد الدماء في العروق:

-من يدخل هنا.. لن يخرج.

سقطت هيام على ركبتيها تجهش بالبكاء:

-لقد دخلتُ خطأً.. لو كنتُ أعلم لما فتحتُ الكتاب.. أرجوك!

بعد توسلات مريرة، جاء الرد:

-لا شيء دون مقابل.

مسحت دموعها بخوف وقالت:

ا-.. اطلب ما تشاء.

-الحديقة.. لن تدخليها أبداً.

أومأت برأسها بذعر كطفلة تخشى العقاب: -حسناً.. حسناً.. لن أقرب الحديقة مجدداً.

أمرها صاحب البئر بصوت هادئ ومخيف:

ا-رمي الكتاب في البئر.

تقدمت بخطوات مرتجفة، وألقت الكتاب في الظلام. في تلك اللحظة، فاح دخان أسود كثيف غطى رؤيتها، وشعرت بضربة عنيفة على رأسها أسقطتها مغشياً عليها وسط تلك الصحراء.

* * *

استيقظت وهي تئن من ألم رأسها، لتجد نفسها ممددة في وسط الحديقة. بمجرد أن استعادت ذاكرتها، هرعت هاربة نحو بيتها، تجر أنفاسها بصعوبة.

عند الباب وقفت وهي تلهث من شدة الخوف، وحاولت رسم ابتسامة متصنعة ودخلت، فاستقبلتها أمها قائلة:

-أهلاً هيام.. غريبة! لم تتأخري اليوم، لم تمكثي سوى خمس دقائق!

صُعقت هيام.. خمس دقائق؟ وهي التي شعرت بأنها مكثت سنين! تمالكت نفسها وقالت وهي تهرب لغرفتها:

-شعرت بالتعب يا أمي.. أريد النوم فقط.

أغلقت الباب خلفها، وسندت ظهرها عليه وهي تغمض عينيها بصعوبة، والأسئلة تنهش عقلها:

كيف لتلك الأحداث أن تكون في خمس دقائق؟

همست وهي تجر نفساً طويلاً:

أتمنى فقط.. أن أنسى ما رأيت.