البدايات التي لا ننتبه لها
دقيقتان قراءة · 270 كلمة
لم يكن الصباح مختلفًا عن غيره، لكن خالد شعر بثقلٍ غريب في صدره وهو يفتح عينيه. السقف ذاته، الجدار المتشقق ذاته، وصوت أذان الفجر القادم من المسجد القريب بذات النبرة التي حفظها منذ طفولته. كل شيء في مكانه، إلا قلبه، كان يبدو وكأنه تأخر عن اللحاق بنفسه.
نهض ببطء، توضأ بماء بارد أعاد إليه شيئًا من الوعي، وصلى. لم يطلب الكثير، فقط همس: «يا رب، دلّني عليك أكثر». لم يكن يعرف لماذا قالها، لكنها خرجت صادقة، ثقيلة، وكأنها كانت محبوسة منذ زمن.
كان خالد واحدًا من أولئك الذين لا يشتكون. يعمل، يعود، ينام، ويستيقظ ليكرر الدائرة نفسها. لم يكن فاشلًا، لكنه لم يكن ناجحًا كما أراد. أحلامه مؤجلة، ضحكته مختصرة، وكلماته محسوبة دائمًا. تعلّم منذ وقت مبكر أن الصوت العالي لا يغيّر شيئًا.
في الطريق إلى عمله، مرّ بجانب محل قديم مغلق. تذكر صاحبه، رجل كان يضحك كثيرًا ثم اختفى فجأة. الحياة لا تودّع أحدًا كما يجب، فقط تمضي وتتركك مع الأسئلة.
في المكتب، جلس خلف مكتبه الصغير. ملفات متراكمة، شاشة كمبيوتر باردة، وزملاء يبتسمون بلا سبب واضح. شعر أنه شفاف، حاضر جسدًا وغائب روحًا. ومع ذلك، أكمل عمله بإتقان. كان يؤمن أن الإهمال خيانة للنفس قبل أن يكون تقصيرًا في العمل.
عند الظهيرة، خرج ليستنشق الهواء. نظر إلى السماء، كانت هادئة أكثر مما ينبغي. تذكر آية سمعها كثيرًا ولم يفهمها إلا الآن:
«ولسوف يعطيك ربك فترضى»
تساءل: متى؟ وكيف؟ وهل الرضا يأتي بعد العطاء أم قبله؟
عاد إلى مكتبه وهو يشعر أن السؤال نفسه بداية طريق، وأن التعب ليس علامة النهاية، بل إشارة الاستمرار.
وفي تلك اللحظة، لم يكن يعلم أن هذا اليوم العادي، الذي مرّ دون أحداث تُذكر، هو أول خيط في قصة طويلة… قصة تعلّم الرضا بصمت.