الفصل الاول
4 دقائق قراءة · 766 كلمة
على أحد شواطئ جزيرة صغيرة، حيث تلتقي الأمواج برفق مع الرمال الذهبية، رسا زورق على الشاطئ. نزل منه رجل نحيل أسمر البشرة، وكان يجر خطوات ثقيلة، كأن كل خطوة تحمل ثقل سنوات من التفكير. شعور غريب بالسلام غمره وهو يسير على الرمال الناعمة، بينما كانت رائحة البحر تعطر الأجواء، والأفق البعيد يملؤه شعور بالوحدة.
توجه نحو منزله ودخل ببطء، وكأنما لا يريد مغادرة لحظة الهدوء التي كان يعيشها. استقر في مكتبه، أمسك بهاتفه، ووقف للحظة متأملاً صورة له مع زوجته وابنه، ثم ضغط زر الاتصال.
"كيف يمكنني أن أساعدك،سيدي منصور؟" قالت لبنى بصوتها الهادئ عبر الهاتف.
"أهلاً لبنى."
رد منصور وهو يشعر بشيء من الحرج في كلماته.
"عيد زواجي يقترب، وأريد أن أعد مفاجأة لزوجتي سهر. هل يمكنك مساعدتي في ذلك؟"
"كم أنت لطيف يا سيدي!ماذا تريد مني أن أحضر؟"
ضحك منصور، ثم قال:
"أخبرتكِمراراً ألا تقولي 'سيدي'! نحن أصدقاء، أليس كذلك؟ أنا أثق بكِ، وأعلم أن النساء لديهن ذوق خاص، لذا أحتاجك في هذا."
ضحكت لبنى لوهلة، ثم أكملت:
"حسناً،إذا كنت مصمماً. نحن النساء نحب الأشياء البسيطة، ولكن التي تحمل ذكريات خاصة ذو طابع رومنسي."
"حسناً،هذا ما أحتاجه. سأعود غداً."
"سأكون هناك في المطار لاستقبالك."
"شكراً لكِ، وداعاً."
أغلق منصور الهاتف ببطء، وهو يشعر بثقل في قلبه. كان يتمنى أن يكون بجانب زوجته وابنه أكثر.
"أريد أن أحتضن سهر وابني قيس،وأن أعود إليهما. لقد شغلتني اجتماعات العمل عنهم لفترة طويلة، كنت أسافر كثيراً بسبب عملي. يجب أن أعوضهما عن كل ذلك الوقت."
في اليوم التالي،ارتدى منصور بدلة سوداء أنيقة، وكان يحمل في يديه باقة من الورود الحمراء.
توجه إلى المطار وهو يشعر بمزيج من الحماس والقلق.بينما كان في الطائرة الخاصة، كان يتأمل في صورة عائلته، ويتذكر لحظات من الماضي مع سهر وقيس.
بعد مرور ساعة من الطيران، هبطت الطائرة في أحد المطارات.
خرج منصور من الطائرة وهو يراقب الأرض بعينين تفيضان بالترقب.
هناك،في انتظاره، كانت سيارة دفع رباعي بيضاء.
نزلت منها فتاة ترتدي بدلة رسمية،شعرها مربوط إلى الوراء، وعيناها تبرزان بذكاء.
كانت خطواتها واثقة وهي تسير نحوه،ابتسم منصور وقال:
"ها أنتِذي، كما أنتِ جميلة وأنيقة يا لبنى."
ضحكت لبنى، وشعرت بالخجل للحظة، ثم قالت:
"شكراًلك، سيدي منصور." ثم أضافت سريعاً: "أقصد منصور". سأل منصور:
"هل أخبرتِالآنسة سهر بمجيئي؟"
"لا، لم أخبرها". ردت لبنى.
"لا داعي لذلك، سأفاجئها بنفسي."
"هل نذهب إلى المنزل الآن؟"
"هناك مكان يجب أن أزوره قبل أي شيء، أريد الذهاب إلى المقبرة القديمة."
ردت لبنى، والفضول يغمرها:
"حسناً."
عندما وصلوا إلى المقبرة التي كانت في أحد أطراف المدينة، نزل منصور من السيارة وسار بخط مستقيم نحو أحد القبور.
جلس هناك لمدة ساعة من الزمن، ولبنى تراقبه من بعيد. ثم وقف منصور على قدميه ولامس بيده تراب القبر، وقال بعض الكلمات غير المفهومة.
عاد إلى لبنى وقال:
"هيا بنا إلى المنزل."
انطلقت السيارة بسرعة عبر المدينة، وبينما كانت لبنى تقود، كانت تراقب منصور في مرآة السيارة.
فجأة،توجه منصور بنظره إليها وقال:
"هل تفكرين في شيء؟"
"لا شيء، فقط كنت أتساءل عن ذلك القبر في المقبرة. لمن هو؟" سألت لبنى بحذر. توقف منصور للحظة، ثم أجاب بصوت منخفض:
"ذلك القبر لأخي حسام."
لم تستطع لبنى إخفاء تعبيرها عن المفاجأة، فقالت بسرعة:
"أعتذر...لم أكن أعرف."
"لا بأس، لقد مرَّ على ذلك وقت طويل، خمس سنوات."
قال منصور وهو يبتسم قليلاً، ثم أضاف:
"ولكنكِتسألين عن التفاصيل، أليس كذلك؟ حسام كان شقيقي الأصغر. اختفى في البحر حين كان بالسابعة عشر، ولا أحد يعرف كيف.
كان يوماًمن أيام الربيع حين اختفى الزورق، وعاد إلينا فارغاً، كأن البحر نفسه قد ابتلعته."
ظلت لبنى صامتة لبرهة، وقالت:
"أعتذر مرة أخرى،تعازي لك."
"لا داعي للاعتذار."
قال منصور وهو يوجه نظره إلى الأفق،ثم صمت لفترة قبل أن يضيف:
"ولكن لماذا تقولين'منصور'؟ هل أنا صديقك؟ لقد أخبرتكِ أن تحترمي حدود العمل."
شعرت لبنى بالارتباك، فقالت بسرعة:
"أعتذر يا سيدي،لن أكررها."
ثم سكتت لبنى لحظة، ولكن منصور قاطعها وقال ضاحكاً:
"ما بكِخائفة؟، أنت صديقتي وستبقين صديقتي." ضحكت لبنى بدورها، لكنها شعرت بشيء غريب في قلبها بسبب حديث منصور.
كانت كلمات منصور تلامس قلبها،ولم تستطع أن تشرح السبب.
أكمل منصور: "لبنى، قلبك طيب جداً، لكن لا تظهري كل طيبتك، لأن العالم سيلتهمك، لا تغيري ما بداخلك بل ابقي قوية ولا تهتزي لشيء." واستمر منصور في الحديث عن العمل، لكنها شعرت أن كلامه يصيب قلبها.
وصلت لبنى إلى منزل منصور وأوقفت السيارة.
نظر منصور إليها وقال:
"ماذا عن العشاء؟سيكون لدينا وقت لتبادل الأحاديث."
قالت لبنى بابتسامة حانية:
"لا شكراً،منصور. هذا العشاء عائلي، وأنا أريدك أن تخلق لحظات جميلة مع عائلتك."
"حسناً، إلى اللقاء إذاً." أغلق منصور الباب، وابتعدت السيارة.
لكن بينما كان منصور يقترب من باب المنزل، شعر بشيء غريب في جو المكان. كان الهواء
بارداً،والأضواء داخل المنزل كانت مطفأة. شعرت معدته بالتوتر، لكنه تجاهل ذلك.
عندما دخل منصور إلى المنزل، وجد كل شيء هادئاً. توجه مباشرة إلى غرفة ابنه، وعندما وصل إلى الباب، رأى آثار دماء على الأرض. تسارعت نبضات قلبه وهو يركض نحو الغرفة.