رُمح الغروببقلم عبد العزيز فصل 2

فجرٌ يسبق العاصفة

3 دقائق قراءة · 512 كلمة

كان الصباح ثقيلاً، لا يشبه كل الصباحات السابقة.

السحب فوق الأندلس تكتّلت مثل دروع سوداء، والهواء يمشي كأنه يحمل أنفاس رجال يستعدّون للقتال.

وفي معسكر الجيش الكبير، كان الجنود يتحركون بصمتٍ غريب…

صمت يشبه انتظار ضربة يُسمع صداها قبل وقوعها.

وقف تيم الله في صف طويل من الفرسان الجدد، يرتدي درعاً لم يعتد ثقله بعد، ويحمل سيفاً ورث شرارته من سيف أبيه، وإن لم يرثه جسداً.

كانت يداه ثابتتين، لكن قلبه… كان يغلي.

اقترب منه القائد «سعد بن رياح»، رجل ذو لحية سوداء وصوتٍ كزئير جبل، وقال له وهو يحدّق في عينيه:

"يا ابن عبد الرحمن… اليوم لن يكون يوماً عادياً. المغول لم يأتوا ليستطلعوا. لقد جاءوا ليأسِروا الأندلس أو يدمروا كل من فيها."

تيم الله ردّ بصوت ثابت:

"أعرف ذلك يا قائدي… ولن يمرّوا."

القائد نظر إليه طويلاً، ثم تركه وقال:

"ستُختبر اليوم يا تيم… اختبر نفسك قبل أن يختبرك السيف."

اقتراب العدو

قبل الظهر بقليل، هزّت الأرض رجفة خفيفة.

ثم ثانية.

ثم ثالثة، أعنف من سابقتها.

التفت الجنود ناحية الشرق، حيث بدا الغبار يرتفع من بعيد…

غبار جيشٍ يتحرك كما تتحرك العاصفة فوق البحر.

قال أحدهم بصوت مرتجف:

"إنهم… إنهم كُثر."

لكن القائد سعد رفع سيفه عالياً وقال:

"الكثرة لا ترعب من عرف طريقه إلى الله!"

كان جيش المغول يقترب، أصوات خيولهم تشبه زلزالاً، طبولهم تضرب الأرض ضرباً يوشك أن يكسر الهواء من حولها.

أما تيم الله، فوقف ساكناً…

عقله لا يرى الغبار، بل يرى صورة رجل كان يرفع السيف قبل استشهاده....

أبوه…

الذي قاتل حتى اللحظة الأخيرة.

دقّة الصدام

ما إن اقترب المغول لمسافة السهام، حتى دوّى صوت القائد سعد:

"رماة!

اشحَنوا الأقواس!"

ارتفعت آلاف الأقواس في لحظة واحدة…

وأغمض تيم الله عينيه، وكأنه يسمع نبض الأرض.

ثم دوّى الصوت الكبير:

"أطلِقوا!"

انطلقت السهام كالأمطار الحادة، واخترقت الصفوف الأولى للمغول.

صرخات، سقوط، ارتباك…

لكن جيش المغول لم يتوقف.

بل زادت سرعته، كأن صفوف الرجال التي سقطت منهم أطلقت وحشاً أكبر.

ومع اقترابهم، سُمِع النداء الذي يهزّ الأعصاب:

"التحموا!

السيوف… السيوف!"

انفجار الحرب

اندفعت الصفوف الإسلامية للأمام، ومعها اندفع تيم الله بين رجالٍ أكبر منه سنّاً وخبرة، لكنه لم يتردد لحظة.

ارتطم الجيشان ببعضهما، صوت الحديد فوق الحديد، وصهيل الخيل يدوي في ساحه المعركه …

كان كل شيء يحدث بسرعة لا تُصدّق.

أول رجل واجهه تيم الله كان مغولياً ضخم الجسد، يحمل فأساً كبيرة.

رفع الفأس بضربة تكسر الصخور، لكن تيم الله تحرّك بذكاء رجل تعلّم الملاحظة منذ صغره…

انحرف خطوة، وضرب يد الرجل.

سقط الفأس.

ثم رفع سيفه ووجّه ضربة نحو عنق العدو…

سقط المغولي أرضاً، وروحه تصارع للحياة....

كان هذا اول شخص قاتله تيم الله وانتصر عليه بأذن الله.

لم يرتجف.

بل أحسّ بشيء يهتزّ في صدره…

قوة لم يعرفها من قبل.

قلب المعركة

وسط الفوضى، رأى القائد سعد يقاتل خمسة رجال معاً، والدم يغطي درعه، لكنه ثابت مثل جبل.

ورأى جنوداً يسقطون واحداً بعد الآخر، وصراخاً يرتفع من كل جانب.

لكن أخطر ما رآه…

كان راية سوداء ضخمة ترتفع من قلب جيش المغول.

راية يعرفها الجميع.

همس أحد الفرسان خلفه:

"هذا… هذا ليس جيشاً عادياً… هذا لواء الباطل الكبير.

إن سقطوا نحن… وإن سقطنا هم."

تيم الله قبض على سيفه بقوة.

وعيناه اشتعلتا.

ثم قال بصوت لا يشبه صوت البارحة:

"اليوم… نكتب صفحة جديدة يا أبي."

---